على عكس الشخصية النرجسية التي تكلمنا عنها في المقال السابق، فإن الشخصية التعاطفية empath شخصية تضع الآخرين في سلم الاولويات قبل نفسها، بمعني أنهاImage result for empath ليست فقط شخصية معطاءة ولكنها ايضا قد تعطي في نفس الوقت الذي تحتاج فيه لهذا العطاء وهنا يظهر أهم مميزات هذه الشخصية وفي ذات الوقت عيوبها. فقد تنسى نفسها في محاولة إصلاح العالم 🙂

استطيع أن أؤلف كتبا عن الشخصية التعاطفية لأنها فيها كثير مني أو أنا في كثير منها، ولكني دعني اتحدث أولا عن المكاسب التي تجعلني أشكر الله أن حباني بهذه الشخصية والتي أود أن يراها كل شخص يتمتع بنفس الشخصية فبدلا من أن يشعر أنها نقمة عليه، يفهم كيف يمكن أن تكون موطن قوة وكيف يمكن أن يوجهها فتكون مصدر سعادة في الدارين إن شاء الله. لا أدري متى بدأ الأمر معي تحديدا ولكني أتذكر د. شريف عبد العظيم (مؤسس رسالة) وقد كان أستاذا لي في الجامعة وهو يتحدث عن القاعدة الذهبية للأخلاق وهي أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، وشرح هذا بأنك تضع نفسك موضع أخيك وتتخيل ماذا كنت تحب أن يفعله الناس معك في هذا الموقف فيكون ذلك دافعا أن تفعل المثل. وكانت لتلك الكلمات مفعول السحر بداخلي لأنها تفاعلت مع شخصيتي التعاطفية التي لم تكن تجد منفذا سوى الاستماع لشكوى هذا وذاك. بدأت أكون ايجايبة وبدلا من أن ينتقل لي حزن الآخرين وهمومهم، أفكر لو كنت مكانهم وخلقني الله في تلك الظروفـ، ماذا كنت أتمنى أن يقدمه لي الناس؟ وعندما أضع نفسي موضعهم أرى كذا وكذا، فأفعله. أحيانا كنت لا أجد اجابة سوى الدعاء بمعني أن مشكلة فلان هذا الذي سمعتها من علانة وتأثرت بها كثيرا وأنا لا أعرفه ولا استطيع أن أصل إليه لا حل لها سوى أن أدعي له/ لو كنت مكانه لتمنيت من الغريب الذي يسمع عني ان يدعو لي فأدعو له. وأحيانا كنت أذهب للتفكير في نظام كامل ليحل مشاكل كل الناس الذي يعانون من هذه المشكلة.

شخصيتي التعاطفية جعلتي أخت كبرى في رسالة لمدة 18 سنة، كانت سببا في خلق أجمل علاقة في حياتي مع أحت لم تلدها أمي ولا أبي وصارت أختي عندما وضعت نفسي مكانها يتمية بلا عائلة عمرها سنة ماذا تحب من طالبة جامعية أن تفعل معهاوأن تكون لها؟ تكون عائلة لها فصرت العائلة. شخصيتي التعاطفية جعلتني قريبة من الأطفال. لأن الأطفال ليس لديهم أي فلتراجتماعي ولا خبرة حياتية تجعلهم يشككون في دوافعك. هم يشعرون بحبك بعطائك..لذا في أي تجمع للأصحاب أو العائلات يلتف الأطفال حولي..إذا كانت هناك طفلة تائهة أو خائفة فبشكل ما أعرف أن أجعلها تتطئمن. أمي دائما ما تقول لي سيبك من الكمبيوتر وافتحي حضانة (بالمناسبة هي أفضل مني بكثير مع الأطفال، اعتقد أن الأمر وراثة جينات).

شخصيتي التعاطفية كذلك كانت سببا في أن يكون لدي الكثير من الأصدقاء في أي مكان أذهب له، ولكني أتواصل مع الناس بعمق. بمعني أن التواصل السطحي صباح الخير، صباح النور يخنقني وان كان نضطر له في حياتنا المهنية. ولكن التواصل الانساني هو ما يحركني. في كالجري لم يكن لدي أي مشكلة أن أخذ شنطتي وأبيت عند أي شخص في مشكلة، هذه مريضة، هذه طلقت، هذه عندها امتحان غدا، هذه تفكر في الانتحار. معظم الناس لم يكن يفهم لماذا أفهم ذلك والبعض كان يقول أني أهرب من المذاكرة وأجعل مساعدة الناس حجة. لم يكن أحد يفهم أن الشخصية التعاطقية تشعر بألم الآخرين كأنه ألمها الشخصي وأن هناك ما يشبه القناة تنقل أحاسيس الآخرين لها فتمتصها بداخلها وطريقتي للتخلص من هذا الألم هو أن أكون بجوار مصدره فأدعمه فيخف ألمي وألمه. لذا لم يكن من الغريب أني أكون متوترة يوم مناقشة زميلتي في السكن أكثرمنها، لأني كنت امتصصت كل قلقها وتوترها عندي.

وبذلك نكون وصلنا لمشكلة الشخصية التعاطفية الأساسية وهي أنه رغم القلب الكبير ألا أنه أحيانا طاقته تنفذ فلا يستطيع تحمل المزيد وأحيانا لا يستطيع أن يمد نفسه بما يحتاجه هو شخصيا. لذا يجب أن تعرف متى تقول أسف لا استطيع المساعدة الآن. ولكني كنت أقول لنفسي أليس الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه؟ فاذا أعطيت طاقتي للآخرين سيعوضني الله، كما هو في الحديث “ما نقص مال من صدقة”، كذلك الطاقة الروحية لا تنفذ ولكن تتجدد بالعطاء، وبالفعل في أحلك المواقف كنت فقدت أقول يا رب بحق مساعدتي للناس ساعدني، تنشق الأرض وأجد الحل أمام عيني والحمد لله ما كنت بدعائك ربي شقيا.
ولكن من ناحية آخرى كل كتب علم النفس والنظريات النفسية والمعالجين النفسيين يقولون لك لابد أن تضع نفسك أولا، لابد أن تفكر في نفسك أولا.. المثال الذي قرأته في ألف مقال وكتاب “إذا كانت الطائرة تهوي وابنك بجوارك فيجب أن تضع الماسك الخاص بك أولا قبل أن تساعد الآخرين”، كل هذا لم يفلح معي في شىء وأحسب أنه لم يفلح مع أي شخصية تعاطفية. إذا تذكرته مرة فسوف أنساه مائة مرة. رغم وجود أشخاص استغلالين لشخصياتنا وعطائنا، رغم أننا نكون معرضين للتدميرإذا ربطتنا أي علاقة مع شخص نرجسي (ولهذا حديث آخر مفصل) ولكننا لا نتعلم أن نضع أنفسنا أولا، أقصى شىء تستطيع أن تفعله هو أن نعزل وتغلق مستقبلاتك الحسية فلا تهتم بشىء لا نفسك ولا الآخرين.

إذا فما الحل؟ ما الحل حتى لا تتحول نعمة الشخصية التعاطفية إلى نقمة؟ أولا: توجبه الطاقة التعاطفية في الأعمال التطوعية والفنية والكتابة ومهن كالتدريس والتمريض ورعاية الأطفال والعلاج النفسي، ولكن بجانب هذا قرات شيئا عبقريا مؤخرا خاطب الشخصية التعاطفية بالطريقة التي تفهمها، خلاص يا عمنا ستظل تفكر في الآخرين وتضعهم قبل نفسك، ماشي ربنا يجازيك خير.. هل ما تفعله هذا مفيد للآخرين؟ فكما نوجه الشخص النرجسي أن الحل لكي يفعل شيئا للآخرين أن يفكر في منفعة هذا الشىء لنفسه فيكون هذا دافع أن يفعله، هذا الكاتب فكر في نفس الفكرة للشخصية التعاطفية هل مساعدتك للآخرين حقا مفيدة لهم أم قد تضرهم؟ هل عندما تمتص أحزانهم تفيدهم؟
تخيلوا معي طبيب لديه مريض مصاب بورم خبيث وكلما جاء المريض له أعطاه مسكن فيخفف الآلآم وبالتالي لا يأخذ المريض أبدا قرار الجراحة، أو تخيل ان ابنك لديه امتحان وقررت أن تتدخل وتحله بدلا منه أو أنه عندما أخطأ في بعض الأشياء خففت ألمه فبدلا من أن ينتبه ويذاكر ما أخطأ فيه، كبر دماغه.

أحيانا بشخصيتنا التعاطفية تفعل هذا، يكون الشخص في ابتلاء ما الغرض منه ان يفهم شىء عن نفسه أو عن المحيطين به أو عن عمله، أن يتخذ قرارا ما في حياته، أن يتوب عن ذنوبه مثلا.. ولكننا عندما نتدخل أكثر من اللازم فنمتص الحزن والغضب والخوف والألم ليس فقط ننقل هذه الطاقة لنا فتؤئينا (فلننحي أنفسنا جنبا قليلا)، الأهم أننا نحل الامتحان للشخص المبتلى، نجعله بشعر براحة مؤقتة بدلا من أن نعطيه الحرية ليتألم ويغضب ويخطأ ويصيب ويفهم ويحاول. بالطبع ليست هذه دعوة لننزع أيدينا تماما (دعونا نكون واقعيين لن نستطيع)، ولكن دعوة أن نقوم بالدعم اللازم الضروري الذي ستوجهنا إليه شخصيتنا التعاطفية ونتوكل على الله وننزع أيدينا ونتركهم في معية الرحمن لأن هذا هو الأفضل لهم، هو من ابتلاهم بهذا الابتلاء مهما كان صعبا وله حكمة في ذلك.

وأخيرا علينا نتوقف عن جلد الذات لأننا لا نستطيع أن نفعل المزيد من أجلهم ومن أجل فلسطين ومن أجل سوريا ومن أجل السلام العالمي ومن أجل المتشردين في الشوارع والفلاحون فى الحقول والحطابون فى أعالى الجبال والعجائز حول نار المدفأة فى ليالى الشتاء:) لكم أن تتخيلوا معاناة الشخصيات التعاطفية في واقع مثل واقعنا المعاصر. أتذكر مقولة رضوى عاشور في فرج “هل كنت قادرة بذارعين لا ثالث لهما وساقين اثنتين فقط وعينين في رأس واحدة وقلب لم تمنحني أمي سواه، أن أوقف تلك العجلة الشيطانية لجرافة هائلة تقترب ثم تعمل فعلها التدميري في حياتنا؟” فبالطبع الشخصيات التعاطفية عرضة للاكئتاب في واقع مثل هذا خاصة مع السويشال ميديا وانتشار الأخبار والصور عن الفواجع المتكررة فيكون الحل أن تنفصل وجدانيا حتى لا تنهار. ولكن هناك حل آخر أن نفهم جيدا معني “ولا تزر وازرة وزر آخرى” ومعنى “وكلهم آتيه يوم القيامة فردا” وأن نركز في مسئوليتنا نحن كشخصيات تعاطفية اختار لها الله دورا معينا في الحياة وما دمنا نؤدي هذا الدور ونوجه فيه طاقة شخصياتنا التي حبانا الله بها فهذه هي الفسيلة التي نزرعها حتى ولو قامت علينا الساعة.

References:
– Self-Care for the Self-Aware: A Guide for Highly Sensitive People, Empaths, Intuitives, and Healers
https://www.goodreads.com/…/19028186-self-care-for-the-self…
-The power of empathy: Helen Riess at TEDxMiddlebury
.https://www.youtube.com/watch?v=baHrcC8B4WM
– Anatomy of an empath: Your 3 Core Features
https://www.youtube.com/watch?v=rb5e0LC7YkA

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

2 responses »

  1. […] مشكلة تواجه الشخص التعاطفي الذي تكلمنا عنه في المقال السابق، هي عندما يقع في شباك شخصية نرجسية ترى نفسها مركز […]

  2. […] مشكلة تواجه الشخص التعاطفي الذي تكلمنا عنه في المقال السابق، هي عندما يقع في شباك شخصية […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s