تطلعت للمنيو في ذلك الكافيه على النيل الذي أرتاده لأول مرة، لأجد صنفا بطاطس على الطريقة الكندية. اتمم بيني وبين نفسي يا ريت ميكونش التاتش المصري دخل عليه ويتحول من البوتين الكندي لشىء هلامي اخر (اخر مرة جربت سوشي في مصر كان مقليا في البيض والبقسماط). أغامر وأطلب البوتين وتأخذني الذكريات بعيدا إلى يوليو ٢٠١١ إلى مونتريال.
أتذكر جيدا التاريخ الذي سافرت فيه من كالجري لمونتريال لحضور هذا المؤتمر لأنه كان في أسبوع عيد ميلادي وكان ذلك في نفس عام الثورة. نصحني أصدقائي الكنديون وقتها أن أجرب البوتين في مونتريال وأن اتذوقه من أكثر من مكان لأنه أشهر المأكولات هناك. وفعلا كان أي مكان هناك اذهب له أطلب بوتين. اتذكر اول مطعم جربته وعجبني مذاقه كثيرا فعند الحساب قررت أن أعطي بقشيشا زائدا فضربت على ماكينة الفيزا ١٠% وعندها تطلع لي الجرسون كالمصدوم مقارنا بين سعادتي المرسومة على وجهي وبين الرقم على الماكينة، ثم سألني هل ضايقك شىء؟ قلت له بالعكس كل شىء رائع. قال لي فلم ١٠% فقط؟
ظننت وقتها أنها وقاحة. كيف يناقشني في البقشيش؟ هذا تفضل مني إذا شئت أعطيته وإذا شئت منعته؟ لم أفهم.
سألت بعدها وعرفت أن ١٠% في كويباك معناها خدمة سيئة وأنه إذا كانت الخدمة ممتازة فيجب أن أدفع ٢٠% بقشيش. وما أدراني انا بهذا؟ ثم ألا يكفي ان الضرائب في كويباك ضعفين ألبرتا؟ هل ادفع فوق الفاتورة ٤٠% بقشيش وضرائب؟
كنت ما زلت حديثة العهد بالغربة وأحد المشاكل التي كانت توترني كثيرا في كندا هي تلك الفكرة أني ممثلة للمسلمين بحجابي وأن موقف مثل هذا خطات فيه عن جهل قد يجعل هذا الرجل يشتمني ويشتم كل المسلمين والعرب.
أي حمل هذا الذي نحمله فوق أكتافنا؟ أكثر من صديقة تعيش في الغرب خلعت الحجاب لهذا السبب. لا تريد ان تكون ممثلة لأحد سوى نفسها سواء كان ما تفعله خير ولا شر، فكرة مرهقة أنك كفتاة أما فخر لعائلتك وشرفها أو تحملين لهم العار والفضيحة ثم إذا سافرتي الغرب تكونين سفيرة لكل المسلمين. ولكني كنت أحاول ان اخفف من هذه البارنويا بداخلي. التعميم خاطىء وأنا لست مسئولة عن قيام أحدهم بهذا الفعل الخاطىء.
في نفس هذا العام كنت قد انتخبت في اتحاد طلاب الدراسات العليا وأشار البعض أني اول محجبة تفوز بهذا المنصب وهذه المقولة تحديدا ارعبتني او بمعنى أدق
scared the shit out of me
ولكن لهذا حديث اخر لم يحن وقته بعد.

يحضر النادل البوتين لأجده ولله الحمد بدون أي تاتشات مصرية. أقلب البطاطس في الجبن واتذكر احساسي الموحش بالوحدة في مونتريال، كنت اشعر أنها غربة فوق الغربة أن اسافر لمدينة لا أعرفها في كندا. اتذكر أصدقائي الكنديون (أو بمعنى اصح من كنت اظنهم أصدقائي) وهم يخبروني ان مونتريال عامرة بالمباني القديمة ثم ينفجرون بالضحك عندما يتذكرون أني من مصر وأن مبنى عمره ٢٠٠ أو ٣٠٠ عاما لن يشكل لي أي ابهار.
ولكن مونتريال كانت جميلة فعلا وشوارعها تشبه في تصميمها شوارع وسط البلد لأن كلاهما تم تصميمه كمدن اوروبا، مختلفة تماما عن كالجري الشابة الحديثة. كنت أسير بجوار النهر هناك وأتخيل نفسي أسير بجوار كورنيش النيل الذي أجلس بجواره الان. أخرجت الموبايل لأفتح الداتا واتصفح الفيس بوك مخالفة بذلك عهدي مع نفسي أن أفصل خلال هذه الرحلة تماما. وفجأة مادت الأرض بس وأنا أشاهد صورة هذا المبنى المحترق منشورة في معظم الأخبار والمواقع، لا أتذكر لماذا اندلعت مظاهرات في هذا الوقت ولكن لسبب ما تم حرق الحزب الوطني في دمياط والمجلس المحلي وهذه المباني تقع أمام منزلنا الذي كان لا يظهر في أي صورة لأعرف إذا كان طاله الحريق هو الاخر أم لا.

مرت بعض الدقائق حتى استجمعت نفسي واستطعت أن أكلم أهلي وأطمئن الحمد لله ولكن قوتي كانت قد انهارت. سقط هذا القناع الذي كنت أرتديه في الأيام السابقة لاستمتع بمونتريال رغم احساس الوحدة. ولابد أن منير رأى ذلك أو أنا حكيت له، فعرض علي أن أخرج معه لأساعده في شراء هدايا لزوجته وأن نتجول هنا وهناك وحاول بقدر الأمكان ان يخفف عني في الأيام المتبقية من المؤتمر.
منير من بنجلادش جئنا لكالجري تقريبا في نفس الوقت وكنا نعمل مع نفس المشرف وهو من هذا النوع النادر من البشر الذين ما زالوا يتسمون بالطيبة الشديدة، البشر الذين لا تشك لحظة أنهم قادرون على إيذاء فرخة.

كان لدي نظريات عدة عن الحدود بين الرجل والمرأة، بعضها تخليت عنه في كندا والكثير منها صار يتغير بحسب الشخص. مثلا كنت مقتنعة تماما أني يجب لا أشارك مكتبي مع رجل ويقفل علينا باب واحد وذهبت للمسئول عن ترتيب الطلاب في القسم وأخبرته أني اريد بنت معي ولكن بعد ٤ سنوات عندما رحلت زميلتي في المكتب وصلني ايميل جعلني انتفض كمن لدغته حية، اعتقد أني نزلت الحامعة يومها باليجامة لأوقف هذه المهزلة بأسرع وقت. لا يمكن أن تكون فلانة هذه زميلتي في هذا الوقت الحرج قبل المناقشة. اعتقد أنهم لو كانوا اصروا كنت كملت السنة مذاكرة من منازلهم.
وكانت نتيجة التفاوض أن يشاركني منير المكتب ووافقت طبعا. والله لو كانوا جابوا أستاذ حمدي الوزير نفسه كان سيكون أرحم منها، اعتقد أن هذا شىء لا يفهمه الكثيرون بعض النساء خطر على بعضهم البعض أكثر من الرجال، والخطورة هنا غير مرتبطة بالشرف أكثر ما هي مرتبطة بسلامة قواك النفسية والعصبية. على الأقل الرجل تستطيع أن تصده إذا تتطاول ولكن ماذا تفعل في الحرباء؟
لذا عندما قالت ضحى* “لا أثق بالرجال” أجبت مباشرة ولا النساء..في بعض الأحيان، النساء أولى بعدم الثقة يا ضحى.

شاركت منير المكتب لمدة عامان كان فيهم نعم الزميل والصديق الذي لم أر منه ألا كل خير ولكني لا زلت لا أعرف بماذا أجيب أختي الصغرى أو ابنتي إذا أخبرتني أنها خرجت مع زميل بمفردها او ان بابا يغلق عليهما كل يوم بالساعات. هل أخبرها أنه خطأ وأكون منافقة لأني فعلت ذلك ولا أرى حتى يومنا أنه كان خطئا في هذا السياق أم أخبرها أنه يتوقف على الطرف الاخر وأخلاقه وما تراه منه ويتوقف عليها وعلى احساسها؟ وكيف يتم ترك الأمر هكذا لشخص لم ينضج بعد ليستطيع أن يزن الأمور كما نزنها نحن في عمرنا هذا؟

أكره القولبة وأكره اخراج الأمور من سياقها ليسهل على الناس قولبة الأشخاص وتصنيفهم، هذه متحررة، هذه متدينة، هذه متحفظة، هذه وتلك وتلك. الحياة تستعصى على هذا التبسيط المخل. هي ليست وصفة بطاطس كندية تنقلها مصر لتأكلها فتاة مصرية كندية على النيل وتفجر بداخلها كل هذه الذكريات والتساؤلات.

تنويه:
* رواية قالت ضحى لبهاء طاهر
**لن أخبر أحد باسم الكافيه الذي يصنع البوتين لاتجنب شبهة استغلال الكتابة في الدعاية

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s