كانت نظرة واحدة على أخي الصغير وعروسه في الزفة كفيلة لتغروق عيني بالدموع. وقفت بجواره في الزفة باكية ولم أدر من أنا؟
هل أنا أمه الثانية كما يقولون عني التي تولت كثير من مهام تربيته وهو صغير بحكم فارق السن الكبير بيننا، أم أنا أخته التي يسعد قلبها لرؤيته ومداعبة شعره عندما ترتاح رأسه على قدميها فيتحدث ويشكي ويحكي وهي لا تشبع من عينيه السوداتين المتطلعان إليها، أم تراني أنا بنته التي تستند عليه منذ عودتها من الغربة فيترك حاله ويهرول ليساعدها هنا وهناك، أم أنا تلك الطفلة التي كنتها منذ أكثر من ثلاثين عاما ترتدي فستانا أبيضا في زفة خالتها وتنهمر دموعها في صمت حزين للفراق يجعل العروس تبكي لبكائها وتمسك بيديها طوال الزفة لعل دموعهما تقف، أم أنا عمة تلك الطفلة الآخرى ذات الثلاث سنوات التي ترتدي فستانا أبيضا كذلك وتنظر لعمها (اخي) العريس في حزن ورفض طفولي صامت وكأن لسان حالها يقول (مش هتأخدك مني).
من أنا من هولاء؟
ولماذا بكيت وقتها؟


هل هو بكاء من شدة السعادة؟ أم هو خليط من مشاعر كثيرة متداخلة فلم أجد شىء أعبر به عنها ألا البكاء.
ثم أني لا أعيش مع أخي في منزل واحد ﻷفتقده بالزواج ولكني تأثرت عندما رأيت بدله وشنطه عند باب منزل الأسرة استعداد لنقلها لمنزل الزوجية. جعلت أحدق للأشياء لبعض دقايق ثم أشحت بوجهي هروبا منها وسافرت لعملي ورجعت في المرة القادمة لمنزل الأسرة فكانت الأشياء رحلت إلى مستقرها الجديد والجميع يستعد للعرس.

ندرك بعقولنا معنى رحيل الأحبة للزواج أو غيره. ندرك أن هذه الخطوة في حياتهم حتمية وأنهم يأملون فيها السعادة والراحة وندرك أنهم سعداء ببدء هذه المرحلة الجديدة من حياتهم، عقولنا تدرك كل هذا.
ولكن قلوبنا تستشعر فراغا لرحيلهم كفؤاد أم موسى الذي أصبح فارغا بعد الفراق. أحدى صديقاتي المقربات عندما كانت تستعد للعودة من كندا للقاهرة اندهشت عندما وجدتنا في حزن شديد لوداعها وهي لا تشعر بأي حزن لدرجة أنها شكت في مشاعرها تجاهنا فسألت أحد الحكميات فأجابتها أن هذا طبيعي ﻷن من يبدأ مرحلة جديدة عادة ما يشعر بالأثارة والسعادة لانتهاء الفترة السابقة خاصة إذا كانت فيها الكثير من الصعوبات ولكن من يتركهم ويرحل ستظل حياتهم كما هي ولكنها ستكون بدونه (أو بتواجده بشكل مختلف بكل ما يحمله هذا من قلق وحزن).

لا أعلم إذا كانت أنانية مننا أن نفكر في أنفسنا عند رحيل الأحباب ونرثيها ولو ببعض الدموع والحركات الطفولية فننقص من قدر فرحة أحبابنا ونحملهم هم التخفيف عننا في هذه اللحظات الحاسمة من حياتهم. ولكن ما أعلمه أن ذاكرتنا تظل تحمل هذه الدموع دليلا للمحبة كخالتي التي تعاتبني في مرح من وقت لآخر على بكائي في زفافها وأنا طفلة ولسان حالها يقول “عكننتي عليا”.

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s