كموجة عالية تغمرك فلا تعرف إذا كنت ستغرق أسفلها أم سيكتب الله لك النجاة مر مثل هذا اليوم من عامي الماضي..الموافق 2 اغسطس 2016
يوم مناقشة الدكتوراة..

ما زلت اتذكر وجه مشرفي والمشرف المساعد وهم يبلغاني الخبر. لم استوعب وقتها معنى الكلمات التي تقال. فهمت الحروف والكلمات ولم أفهم المعنى. مشرفي قال لي لابد أن تجلسي فغالبا وقع الخبر عليكي كمثل من يتم ابلاغه أنه أصيب بسرطان في المخ..

الان ربما لا أجد الأمر مأسويا كما كان وقتها ربما لأننا بعد تجاوز المحنة ننسى كيف كان وقعها علينا وعلى من حولنا.
يكفي أن من كلمة ألو في التليفون فهمت أمي أن أمرا ما وقع. كهذا كان صوتي وقتها وبالطبع نفسيتي.

كل هذا يمر الان كشريط عابر من الذكريات.. وجوه أصدقائي الذين حضروا المناقشة والكلمات التي قالوها والمكالمات والرسائل التي انهالت عليا.. البعض لم يكن يدري ما يقول.. تعصبت قليلا على بعضهم بسبب الموقف
قلت أني لا أريد حفلة وداع قبل سفري ولا أريد أن أرى احدا وفي اليوم التالي تراجعت وقلت لهم أريد أن أراكم فمن يعلم متى سنتقابل ثانية.. كان وداعهم عندي أهم من الدكتوراة واحساسي بالخيبة والقلق في انتظار نتيجة التحكيم النهائي

بعض الأصدقاء كان اشتري هدايا بالفعل محفور عليها د. دينا سعيد ولم يدروا ماذا يفعلوا بها في هذا الموقف فتركوها في خجل وكلهم أمل أن استطيع ان استعملها يوما ما.
هي اليوم معي الحمد لله وأمام عيني دوما لأنها تذكرني بهم . اعتقد أن بعض الناس يظنون أني نرجسية لأني ارتدي كثير من الحلى عليها اسمي ولا يعرفون أنها جميعا هدايا ارتديها لأنها تذكرني بأحبتي.

اتذكر الان كل من كان بجواري وقتها..كل من ساعدني في حزم امتعتي واخلاء مكتبي وشقتي وتنظيفهما. كان أصعب يوم عندما تركت المكتب وأرجعت الكتب التي استعرتها طوال هذه السنوات لمكتبة الجامعة.. هذه الخمس مراجع استخدمتها لأدرس شىء كتبت عنه فقط صفحة واحدة من الرسالة ..كنت أقلب في الكتب والورق باكية كصاحب الجنتين الذي يقلب كفيه وهي خاوية على عروشها. أيكون كل هذا التعب بلا نتيجة؟!

كيف ثبتني الله وقتها؟ لا أدري
ولكن عندما انقطع الرجاء ألا منه كان التشبث به هو طوق النجاة حتى لا يصرعني الهم واليأس.
رزقني من حيث لا أدري الصبر..الآن عندما اشعر بالعجز عن مساعدة احدهم في ازمة اتذكر هذا الموقف وكيف كان يشعر كل من حولي بالعجز ولا يدرون ماذا يقولون او ماذا يفعلون لمساعدتي وربما بدعائهم وحده ربط الله على قلبي.
أتذكر الان حديثي مع صديقة في أحدى نوبات اليأس أني لو لم يصدر القرار النهائي في صفي فلن أكمل ولن انتظر 6 شهور اخرى من التعب النفسي لأعيد الكرة مرة اخرى في مارس 2017
فقالت لي والله ما ألومك ولا حدا يقدر يلومك.
ثم هناك تلك الصديقة التي هونت علي احتمال الاعادة وأنه ليس بهذا السوء الذي اتخيله فساعدني هذا إلى حد ما على تقبل كل الاحتمالات نفسيا. ثم جنبني الله كل هذا وصدر القرار لصالحي في نهاية اغسطس
يا الله كيف مر كل هذا؟!
وما الحكمة في حدوثه؟

أهدتني زميلاتي اليمنيات بعد المناقشة علامة معدنية منقوش عليها مقولة من مسلسلي المفضل
Being Erica
المقولة تقول
There is a crack in everything, that’s how the light gets in”: .
هناك شقوق في كل شىء وهكذا يدخل النور

ربما كان يجب أن أقتل بداخلي السعي المطلق نحو المثالية..ربما كان لابد من شقوق هنا وهناك حتى يدخل النور الذي يجعل مشاعري تفيض بالكتابة ودعم من هم في ازمات. ربما كان يجب لرأسي ان تنخفض كثيرا ..هناك من النعم ما يطغي الانسان تجبرا وغرورا.. أقابل الكثير من حاملي الدكتوراة واستشعر الأنفة والكبر الشديد في كلامهم مع غيرهم من غير حاملي الدكتوراة حتى لو كانوا أكبر منهم سنا. أنفر من هولاء واترك مجالستهم. وأحمد الله ان ما مررت به من مصاعب في الغربة والدكتوراة لم يجعل بداخلي شىء من نسب الفضل لنفسي فيها ..وأدرك جيدا قد كانت يد الله التي انتشلتني من موجة تلو الاخرى ولولاه سبحانه لغرقت.

فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

ملحوظة:

بعد كتابة هذا المقال استطعت أن انظر لصور المناقشة التي أرسلتها لي صديقتي بعد النجاح ولكني كنت أهرب من رؤيتها.

 

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

3 responses »

  1. Ahmed Medhat كتب:

    الف مبروك يا دكتور و من نجاح الى نجاح دايما باذن الله

  2. غير معروف كتب:

    المقولة تقول
    There is a crack in everything, that’s how the light gets in”: .
    هناك شقوق في كل شىء وهكذا يدخل النور
    لم أتقبل ضياع الأمر كجزء من قدري ، و عاتبت السماء كثيرا ، بل لم أسامحها ، ولم أقتنع بفكرة أن يكون ضياع الأمر فيه خيرا لى ، وأن فرصا أفضل بإنتظارى ، ولكن بعد مرور الوقت وبقدر الطعنة التى تلقيتها فى قلبى و غرورى أدركت أنه :
    ﴿ ﴿ ربما كان يجب لرأسي ان تنخفض كثيرا ..هناك من النعم ما يطغي الانسان تجبرا وغرورا ﴾ ﴾ ..
    ولا سبيل لتعلم هذة الدروس القدرية الإ بفقدان حلم قريب كهذا وأمنيات غالية كتلك .
    و رضيت بأن يكون ثمن التجربة هذا الدرس الغالى دون اقناع نفسى أن هناك فرصا أفضل بإنتظارى .

    المقولة دى يا دكتور ﴿ ﴿ ربما كان يجب لرأسي ان تنخفض كثيرا ..هناك من النعم ما يطغي الانسان تجبرا وغرورا ﴾ ﴾ .. صالحتنى مع نفسى تانى .

    شكرا .

  3. غير معروف كتب:

    وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون
    سمعتها فور الإنتهاء من مقالتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s