ماذا يعني ان تمضي سنة من عمرك؟
وهل هناك فرق بين أن تكون في الثلاثين أو الثلاثة وثلاثين او الستة وثلاثين؟
أحيانا تبدو مجرد أرقام لا معنى لها.
وأحيانا اخرى تشكل كل المعاني.
أتذكر عندما سافرت لأول مرة كندا كان عمري سبعة وعشرون، وكان بعض زملائي الاكبر مني يتحدثون عن تخطي الثلاثين وكيف أنهم كبروا. وقتها شعرت أن سن الثلاثين هذا شىء بعيد. الان بعد تسع سنوات أقترب من الأربعين عاما بعد عام. فهل يعني هذا أي شىء؟


هناك قلق خفي يتسلل للنفس من أن أذهب لخريف العمر وأنا كما انا بلا شريك حياة بلا أولاد بلا أشياء مادية كثيرة حققها معظم من هم في سني ولم يتوهوا مثلي في متاهات البحث عن الذات التي لم اصل بها لشىء بعد. ما زلت لا أعرف تحديدا اي كاريير أريده وأي بلد اريد ان اعيش فيه. ما زال عندي أزمة هوية بين مصر وكندا. وما زال عقلي ما بين هنا وهناك.
ما تعلمته مؤخرا أنه لابد أن يعترف الإنسان بمشاعره -على الأقل لنفسه- بدلا من أن يدفنها ويحاول ألا يفكر فيها لأنها في وقت ما ستظهر على السطح فجأة وقد تكون خارج السيطرة.
الاعتراف بأن اشعر كبنت في هذا السن بالقلق طبيعي ولا يمنعه اني الحمد لله اجتزت مرحلة صعبة من حياتي العام الماضي بحصولي على الدكتوراة ورجوعي مصر ولا يطمس هذا القلق سعادتي بالاحتفال المفاجىء الذي رتبه أهلي لي لكي افرح في عيد ميلادي ولا الكروت والهدايا التي ارسلها اصدقائي. من قال ان الانسان لابد ان يشعر بنوع واحد من المشاعر أما حزين أو سعيد او قلقان او او. لا بالعكس مشاعرنا مركبة من الممكن ان تكون سعيدا من شىء وغاضبا من شىء اخر وقلق من شىء ثالث لا يوجد تعارض.
ومحاولة أن نجري وراء دفقات السعادة حتى تنسينا المشاعر الاخرى غير صحية بالمرة. فلنسعد ونترك للمشاعر الاخرى مساحتها.
احيانا اخاف ان أشعر الناس الذين يحاولون إسعادي بالاحباط اذا عرفوا أنهم لم ينجحوا في مهمتهم كاملة اذا أعلنت أني سعيدة وفي نفس الوقت شىء اخر. أحدى صديقاتي المقربات تخبرني اني احمل نفسي فوق طاقتها عندما احمل هم ما يشعر به الاخرون. كانت بجواري عندما كنت اتحدث هاتفيا معتذرة عن محاضرة تطوعية بسبب مرضي. قالت لي قلتي في المكالمة انا اسفة 10 مرات وهذا دليل على احساسك بالذنب. المرض ابتلاء انتي تقبلتيه وهم لابد ان يقبلوه.
احمل فوق كتفي جبال من الاحساس بالذنب المستمر. حتى اذا قام أحدهم بمساعدتي أو احضر لي هدية أظل أفكر كيف أرد هذا الجميل. هذا حتى مع أستاذتي أو اي شخص قام بتزكيتي لمنحة أو جائزة. واظن أشعر بالامتتنان الشديد لأن هذا ساعدني هنا وهذا وقف بجانبي هناك. قال لي معالجي النفسي الكندي لقد قاموا بتزكيتك او مساعدتك لأنك تستحقين هذا وهذه وظيفتهم. يكفي كلمة شكر وانتهى الأمر.
هل أشعر أحيانا اني لا استحق ما أخذه فأظل أحمل هم رد الجميل… لا أعلم.
أعلم أني في مصر أعاني بشدة من عقدة الذنب لأني بعدت كل هذا الوقت. في البداية كنت أفرح إذا فعلت أي شىء ولو بسيط لمن أشعر تجاههم بالذنب. الان أشعر أنه لا يكفي. لا يكفي أن تظل تضع ضمادة هنا وضمادة هناك وتصبر نفسك أن هذه فسيلة تزرعها حتى لو كان كل ما حولك يوحي ان يوم القيامة قادم.
بدأت أشعر اني مستنفزة في تفاصيل الحياة وهلاك التفاصيل وان الهواء يحمل ذرات احباط وغضب ويأس يذرفها المصريون فتختلط بالحر والتلوث فتخنقك
هذه مشكلة ان تكون
Emotional empathetic
تستقبل خلايا جسدك مشاعر الناس وتحتضنها بداخلها.
ورغم ان طوال الوقت هناك من يصرخون في وجهي لماذا انتي في مصر، ورغم اني شخصيا بدأت من وقت لاخر اصرخ في نفسي بذات الصراخ خاصة عندما تضيق الحياة، ألا أنه شىء بداخلي يقول لي أني لابد أن ابقى واوفى بالمدة التي قررت أن أخوض فيها التجربة كاملة لأقيمها مجملة ولا يكون القرار وليد انفعالات لحظية.
أشياء كثيرة مختلطة بداخلي وأنا ابدأ عامي هذا منها الرضا اني تصالحت مع أسوا يوم في حياتي تصادف أن كان يوم عيد ميلادي منذ عدة سنوات وبناء عليه توقفت تماما عن الاحتفال بعيد ميلادي أو تهئنة أي شخص بعيد ميلاده لأن كل ما له علاقة بأعياد الميلاد كان يذكرني بهذا اليوم.
كيف تصالحت هكذا؟ لا أدري.
لا توجد خطوات محددة ولكنها حدثت هكذا وسط خضم المشاعر الاخرى. وسبحان مقلب القلوب والأبصار.
الحياة تستعصي على التبسيط كما يقولون.

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s