،منذ يومين كنت اتصفح سناب شات فوجدت فيديو  لمجموعة من صديقاتي في كندا  في أحد شوارع كالجري وكانت مشاهدة الفيديو كمن يوقظ بداخلي شيئا أحاول أن أتجاهله. رؤية الشارع مجرد الشارع النظيف جدا والسماء الزرقاء الصافية (أنا تقريبا نسيت لون السماء) جعلني في اليوم التالي لخروجي الشارع في القاهرة في منتهى التعاسة. ظل بداخلي صوت أيه التراب ده؟ ايه القرف ده؟ ايه التلوث ده والزحمة وقلة الأدب وكل شى كل شىء. أنا بأعمل في نفسي كده ليه؟

أليس هذا ما كان معظم الناس يقولونه لي عندما قررت الاستقرار في مصر؟ بتعملي في نفسك كدا ليه؟

 وكنت أرد عليهم بأني سعيدة هنا وأنا تعبت من الغربة والوحدة وأريد أن أظل مع أهلي الخ الخ مما كتبناه في مدونات سابقة. ما الذي حدث إذن؟ ليس الفيديو قطعا هو الذي بقلب تفكيري ومشاعري هكذا  والأمر ليس نظافة الشارع ولون السماء بالتأكيد. الأمر أعمق بكثير.

مبدئيا الشعور بالحنين طبيعي جدًا، لأصحابي هناك وأولادهم، لزملائي، لمشرفي، لجامعتي، حتى الأثاث الذي كان لدي في البيت بدأت أتذكره في ومضات. عندما تذكرت أن رمضان اقترب شعرت بالحنين للمسجد هنا. للمول الذي كنت اتسكع به، للمطاعم التي كنت أحبها، لجلوسي في مقهي بعينه أقرأه أو أكتب، لكل شىء. ﻷتعلم إحساس عندما تريد أن تأخذ أشياء كثيرة في حضنك وتلقي عليها نظرة وداع.

 ربما كانت هذه أحدى المشاكل أني لم أودع كالجري وما بها، سافرت منها بتذكرة عودة بعد شهرين ولم أعد من وقتها. وبالتالي ظل هناك شىء لم يتم انهائه كما ينبغي . على الأقل في عقلي الباطن. ولكن اعتقد حتى إن كنت ودعتها لشعرت بنفس الحنين.  هو شىء طبيعي أن ترتبط بمكان عشت فيه 7 سنين وتحن له. ولكن المشكلة في المقارنة التي يفرضها علينا عقلنا منفعلا بمشاعر الحنين.

هناك كذا وكذا ولا يوجد هنا كذا ولكن هنا كذا وكذا ولا يوجد هناك كذا

وتظل تحل في معادلات من الدرجة الخمسين محاولة أن تركز في أولياتك وتعزل مشاعرك ولكن تفكر أنه ربما كانت أولياتك متأثرة بمشاعرك أو ربما كان من الأحسن ألا تتجاهل مشاعرك أصلا وربما وربما

المشكلة الأصعب أنه مقتنعة أنه لا يجوز لي تقييم وضعي في مصر ﻷقوم بالمقارنة ﻷني نصحت ناس كثيرة من قبل ألا يقيموا أي شىء قبل مضي 6 شهور أو سنة حتى تمر مرحلة التأقلم والتعود. ولكن رغما عني عقلي لا يتوقف عن التقييم ولدي شعور مميت أني لو كنت قضيت السبع سنوات الماضية في مصر وحصلت فيها على الدكتوراة لما تغير شىء من وضعي الحالي. غالبا سأكون عايشة في نفس شقة جدي في القاهرة، وغالبا سأكون ما زلت متطوعة في نفس الجمعية الخيرية بنفس الدور، وغالبا سأكون في نفس الوظيفة . كل ما أفعله الآن في مصر هو ما كنت سأفعله بالظبط بدون دكتوراة من كندا ولا غربة ولا كل الهري اللي كنت بأهريه هناك. احساس غبي أنك بتجري في المكان وأن مفيش أي ثمار ﻷي خبرة أو شهادة اكتسبتها في كندا، لا ماديا ولا معنويا.

طبعا الكاريير الأكاديمي في مصر يعتمد على السن في الأغلب، أنت أخدت الدكتوراة سنة كذا يبقى مرتبك كذا ووظيفتك كذا. ولا فارق أي بطيخ هي منين ولا عملت فيها ايه ولا  درست بره ولا مدرستش ولا أخدت كورسات ولا ما أخدتش، ولا نشرت ولا منشرتش. ولا فارقة.  هي واحد زائد واحد يساوي اتنين.

 لكن بصرف النظر عن الكاريير نفسه، المفروض أني اتعلمت حاجات هتبان في شغلي وفي كل عمل أقوم به وهنا تيجي المشكلة أن كنت مقتنعة من زمان أن  الناس اللي راجعة من بره بتفتكر أنها معها عصا سحرية وأنها تقدر تغير في أي مكان  باللي اتعملته واللي شافته. وطبعا بيجي لها احباط لما تلاقي نفسها مش قادرة تعمل أي حاجة ﻷن الناس بتبص لها ككائن فضائي لا يفهمنا ولا يعرفنا وجاي يطنطط عليا زي البرادعي. وﻷني عارفة ده كويس محاولتش أعمل كده قدر المستطاع، حاولت أكتم شخصيتي على قدر المستطاع وأدخل وسط الناس برأس متواضعة وأحاول اتعايش مع المشاكل لحد ما أفهمها كويس. ولكن ازاي الواحد يقدر يقاوم الاحساس بالعجز المستمر وقلة الحيلة اللي مش نابعة من عدم قدرة لكن نابعة من عدم رغبة في اثارة حفيظة الناس بحاجات مش متعودين عليها فتتتقلب التربيزة باللي عليها.

حد فاهم حاجة؟

ولا أنا. وكتير بأسأل نفسي هو أنا بأكرر أخطائي السابقة ولا بأتعلم منها. وحقيقي أنا مش عارفة هل المشكلة أن الناس شايفاني نفس الشخص اللي كنته من 7 سنين ولا أنا اللي أصلا حاطة نفسي في نفس القالب القديم زي ما يكون خايفة أخرج من القمقم فتخرج الأمور بره سيطرتي أو معرفش أتوقع رد فعل الناس اللي كانت عارفني زمان  وبأحاول اقنعهم أني زي ما أنا عشان على الأقل يتعاملوا معايا زي الأول وبعدين نشوف

أنا عارفة أنها مدونة ملخبطة جدًا بس جايز عشان ده كله جوايا فلما شفت الفيديو بتاع البنات اضايقت وقلب عليا كل الأفكار. جايز هو أصلا مش حنين للمكان والناس في  كالجري بس لكن حنين لنفسي هناك

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

4 responses »

  1. ريهام كتب:

    اصبري وصابري
    انتي انسانة جميلة وربنا حيكرمك اخر كرم ان شاء الله

  2. سلوي احمد كتب:

    لو بتدوري علي حياة عملية ترضي نفسك اكيد مش مصر ولو عايزة الونس والصحبة وسرعان ماح تتعودي علي روتين الحياة الصاخب اجتماعيا البارد نفسيا لأنك ح يمر عليكي ٣٠ سنة مش ح يتغير حاجة في حياتك غير عدد الشعرات البيض انظري حولك

  3. Asmaa Mah كتب:

    كلامك جميل جدا ربنا يوفقك لكل خير
    انا حسيت بكل شيئ كتبتيه لأني مريت بتجربه شبيهة بتجربتك
    ربنا يوفقك ويكتبلك الخير انا بحبك جدااا لله والله ونفسي اشوفك
    ومش متخيله قد ايه اللي بتكتبيه بيأثر فيا

  4. Hajar كتب:

    المدونة مش ملخبطة خالص 🙂
    بالعكس هى عميقة جدا لدرجة الفلسفة ، وبحب اوى طريقة تعبير حضرتك عن اللى جواكى وبصدق وعمق حتى لو انتى شوفتيه لخبطة ، تعبيرك بصدق لدرجة انك تعترفى بأكتر من مرة ان الكلام اللى بتكتبيه دلوقتى يناقض فى المضمون كلام تانى كتبتيه قبل كدة ، ودى اصلا طبيعة النفس البشرية .
    بس رفقا بأعصابك وفكرك ، قربت أعتقد أن حضرتك برج عذراء لأنه برج لا يتوقف عن التفكير. ^_^
    وبخصوص شعور حضرتك انه لا فارق بعد الحصول على الدكتوراه ، فأسمحى لى أقول ان الكنز فى الرحلة ، التعرف على ثقافات جديدة واصدقاء جدد والاستثمار فى نفسك أكيد له فارق حتى لو مش ترجم لوضعى وظيفى او مادى او اجتماعى ما .. (السعى )دة واجب على اى انسان ، اللى يحصل بعد كدة ملناش علاقة بيه .
    وأمنياتى بأيام سعيدة لحضرتك فى (مصر) و ربنا يسعد حضرتك دايما .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s