قبل سفري لكندا أخبرني أحدهم أنه ستكون هناك صدمة حضارية عند ذهابي هناك وكذلك عند عودتي إذا قررت العودة. لم أتخيل معنى الصدمة الحضارية العكسة وقتها. لم أفهم لماذا يكون هناك مشكلة في تأقلم الانسان على الحياة في وطنه. حتى لو كان الوضع في مصر أسوأ كثيرا من الخارج ألا أننا نعرفه جيدا، فأين الصدمة؟

بعد سفري لكندا حضرت ورشة عمل للطلاب الانترناشيوال تتحدث عن الصدمة الحضارية وما أكتشفته أن الصدمة الحضارية سواء في السفر أو  العودة ليس لها أي علاقة بالانتقال من العالم الثالث للعالم المتقدم والعكس. فهناك طلابا من ألمانيا وفرنسا وأمريكا ولديهم أيضا صدمة ولكنهم يسمونها  صدمة ثقافية وهي الأسم الأصح في رأيي.

عامة ينصح بتجنب أي قرارات مصيرية في مرحلة الصدمة الثقافية وقد تستمر من 6 شهور لسنة، المقارنة بين هنا وهناك، أيهما أفضل وأيهما أسوأ متغيرة باستمرار. يقولون أنه في الغالب بسبب حماس السفر يكون المكان الجديد في عقل الانسان أفضل بكثير ويرى فيه كل شىء مشرق ثم تأتي مرحلة الحنين وفيه يكون المكان القديم في عقل الانسان أفضل ويرى في مكانه الجديد كل العيوب والمساوىء. ثم يظل يترنح بين هذا وذاك حتى يصل لمرحلة الاستقرار النفسي التى ربما يرى فيها مزايا وعيوب كل مكان بموضوعية. لذا فكثيرا ما تتأثر أفكارنا بمشاعرنا خاصة تلك المشاعر الطاحنة التي تصاحب قرارصعب مثل الابتعاد عن الأهل أو الرجوع إليهم.

يعتقد الكثيرون ان الصدمة الثقافية محورها اختلاف العادات والتقاليد، هذا جزء بالطبع مهم. ولكنه ليس كل شىء.هناك عامل تغير المناخ بين مكان لمكان وتأقلم الجسم على مناخ جديد، نسبة الاكسجين في الجو مثلا وضغط الهواء إذا كان المكان الجديد أكثر ارتفاعا من المكان القديم مما يؤثر على ضغط دم الانسان، نسبة الرطوبة التي إن قلت في المكان الجديد يتشقق الجلد لأنه معتاد على رطوبة أكبر، ميل الشمس بدرجة أكبر قد يسبب نقص فيتامين د، نسبة التلوث الخ الخ الخ. عشرات الأشياء الجديدة التي يحاول جسدك اعتيادها والتأقلم عليها. هذا شىء لا يختبره السائح الذي يأتي أسبوعا ويرتدي ملابس مناسبة لدرجة الحرارة، هذه حياة طويلة لابد للجسد أن يهيىء نفسه عليها. وبالطبع للبعض أجسادا أكثر حساسية من البعض الآخر، فتكون هذه التغيرات عنيفة بالنسبة لهم. شخصيا أيام مرضي في مصر في الستة أشهر الماضية تفوق بكثير الأيام التي كنت فيها صحيحة وما أتذكره أنه حدث المثل عندما ذهبت لكالجري ولكن كانت نوعية مختلفة من الأمراض.

 . أما صدمة اللغة فحدث ولا حرج.  أن تقضي طوال يومك تتعامل باستمرار بلغة غير معتاد أن تتكلم بها كفيل بأن يجعل رأسك ينشطر نصفين. أتذكر أني أنه في أول شهور لي في كندا توقفت تقريبا عن مشاهدة أي أفلام ومسلسلات انجليزية رغم أني كنت أتابع الكثير منها في مصر. كنت أشعر في المنزل أني أريد أن أفصل ولا أسمع إلا عربي. ولكني الآن اكتشفت أن المشكلة ليست في أن لغتي الأم هي العربية. لأنه حدث لي شىء مشابه عند عودتي لمصر. فقدت لغة التعاملات اليومية مع الناس والبائعين والسائقين وكل ما نفعله بدون تفكير أصبحت اتوقف لأفكر كيف أقوله بالمصري. لم أتخيل أن يحدث هذا لي أنا! وأنا أكتب باستمرار بالعربية وأقرأ كتب عربية ومتابعة معظم الأفلام والمسلسلات المصري لدرجة أن خالتي قالت لي ذات مرة من تعليقي على المسلسلات أنها تشعر أني لم أسافر. ولكني تعمدت هذا، كنت أشاهد معظم الدراما حتى وإن لم تعجبني حتى لا انفصل عن ثقافة الشارع المصري، ورغم كل هذا! حدثت صدمة اللغة. ووجدت نفسي أفعل عكس ما فعلته في أول شهور لي في كندا، أريد أن أشاهد مسلسلات وأفلام أنجيلزية. والآن أجدني أحيانا أتوقف في الكلام فلا أعرف أعبر عنه سواء بالعربية أو الانجليزية 🙂 وهنا أعرف أني لابد أن أنام.

 الصدمة الثقافية تشمل كل شىء تقريبا ، وخاصة تلك الأشياء التي نقوم بها بديهيا بدون تفكير. أتذكر صديقة مصرية قالت لي عند قدومي لكندا “ارحمي مخك من أي حمل زائد لأنه يقوم بالتفكير في أشياء بديهة كثيرة وهذا حمل بمفرده ابتداء من أبسط الأشياء مثل طريقة فتح الباب إلى أعقدها مثل اللغة والتأفلم على الجو، حتى شكل العملات مختلف. لا يوجد كندي يفكر هل هذه خمسة سنت أم عشرة أو 25. أشكالها محفوظة ومطبوعة في مخه. ولكن مخك يتوقف للتفكير ولو لحظات وهذا حمل زائد. وكلما كنت مرهقة كلما تطلبت هذه البديهات المزيد من التفكير”

هذا ما يحدث لي أيضا في مصر في الصدمة الثقافية العكسية. اليوم مثلا كنت مرهقة جدا في طريق العودة للمنزل وشاهدت كلب في الشارع – وهو أمر معتاد في مصر أشاهده يوميا- ولكن مخي فصل لأنه لا توجد كلاب وقطط في شوارع كندا ولسبب غير معلوم شعرت ليس بالرعب قدر ما هو عدم القدرة على التصرف في أمر بديهي يحدث طول الوقت.

 المشكلة في رأيي أننا لا نقدر عادة  المجهود الذي يبذله عقلنا في التأقلم وابتلاع الصدمة الثقافية ونظل نحمل أنفسنا أحمالا زائدة تفرضها الحياة الجديدة بل أننا نتوقع من أنفسنا مجهودا أكثر بكثير لأننا نريد أن نثبت أن قرارنا بالانتقال صحيح. هذا المجهود ليس عمليا فقط بل عاطفيا أيضا. وهو ما لا ندركه في مرحلة العودة. فعند السفر من الطبيعي أنك تبذل مجهودا عاطفيا لتتعرف على أشخاص جدد وتقترب منهم ويألفوك وتألفهم، تبدأ تحفظ قصصهم وأهلهم وتقف بجوارهم في السراء والضراء ويقفون بجوارك أيضا حتى يكون لك دائرة معارف قوية مع الوقت ويعتاد عقلك على طباعهم وحوارتهم وعلى ما يحبون وما يكرهون ألخ ألخ. المفأجاة أنك تجد نفسك مطالبا ببذل مجهود مماثل عند العودة للوطن باستثناء بعض الأهل وبعض الأصدقاء المقربين جدا، يكون عليك أن تبذل مجهودا عاطفيا لتشكل دائرة معارف جديدة قد يكون فيها بعضا من أصدقائك القدامى ولكنك أيضا مطالب ببذل الجهد معهم لتدخل في وسطهم مرة آخرى، لتتأقلم عليهم ويتأقمون عليك، ليعرفك أولادهم الذي ولدوا في غيابك، الخ الخ الخ.

قالت لي صديقة من العائدات للوطن أنها عندما مرضت شعرت أنها بلا أصدقاء ووجعها هذا بشدة، رغم أنها اسما لديها أصدقاء كثيرون في مصر. وهذه هي المشكلة أنك ترجع بذاكرتك هنا وتحسب أنك تستطيع استعادة كل شىء كما كان عندما تقول أنك رجعت. ولكنك تنسى أن كل ما يحمله الآخرون لك بعض الذكريات. أنت لم تعد من دائرتهم التي هم معتادون على السؤال عنها ومجاملتها. ولترجع لابد أن تبذل مجهودا ربما يساوي لمجهود الذي تبذله عندما تتعرف على صديق جديد. أحيانا أشعر أن الغربة كانت مثل ذنب كبير علي أن أدفع ثمنه باستمرار وأكفر عنه. هناك يوم لا أنساه شعرت فيه مثل بروس ويلز في فيلم الحاسة السادسة: شعرت أني كنت ميتة طيلة السبع سنوات هذه بالنسبة لناس كثيرون ولكني الوحيدة التي كنت أظن أني حية. وعلي الاختيار أما أن استمر ميتة وأرحل مرة آخرى أو أن أبذل مجهودا لأعيد نفسي للحياة مرة آخرى.

أما أقسى ما في الصدمة الثقافية فهو هذا الشك أنك اخترت طريقا خاطئا والذي يحفر بداخلك مع كل خطوة تخطوها تجاه تثبيت حياتك في المكان الجديد. ستجدك مرتبكا ومهوما قبل شراء أداة كهربائية غالية الثمن أو سيارة. أو قبل بيع شىء تملكه في المكان القديم، هناك تلك النزغة لأنك ما زلت لا شعوريا بين هنا وهناك. ويظل السؤال الذي أسأله لنفسي كثيرا هل أنا هنا لأجد نفسي مرة آخرى أم لأضيعها؟

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

3 responses »

  1. شيماء يوسف محمود كتب:

    رااائع ومعبر جداً بعد سنتين فقط من الغربة

  2. Sami Mostafa كتب:

    مقال رائع جدا وحقيقي وإحساس بيشعر بيه كل مغترب قضي وقت طويل في الخارج بعيد عن أهله وبلده
    نفس الشعور اللي حسيت بيه بعد فترة غربة طويلة في احدي دول الخليج ورجعت مصر عشان استقر حسيت ان كل حاجة اختلفت تماما والاصدقاء والاهل حسيت بالغربة عنهم وقضيت فترة طويلة بحاول اتأقلم بس الموضوع صعب فعلا فسافرت تاني.

  3. أسوار القلب كتب:

    في الحقيقة بالرغم من اني سافرت إلا أني مش حاسة نفس إحساسك بالضبط .. يمكن لاني لسه باعيد اكتشاف ذاتي .. يمكن لاني كنت بخطط للسفر من وقت ما خلصت جامعة .. يمكن ﻷني بحب مدينتي الجديدة .. أو يمكن السبب اني بطيئة الاكتشاف .. يمكن لسه هاوصل للمرحلة دي بعدين .. من أجمل اﻷقلام اللي قريت لها..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s