مر أكثر من شهر على تقديمي رسالة الدكتوراة لجامعة كالجري وانتهاء مرحلة طويلة من حياتي. حفلة تخرجي من المفترض أن تكون يوم الخميس ولكني لن استطيع حضورها نظرًا لظروف تحتم علي تواجدي في مصر. وحتى بدون هذه الظروف لا أشعر أني أريد أن أحضر هذه الحفلة. لا أعلم لماذا؟ فرحت بنجاحي واحتفلت به مع أهلي وأصحابي في مصر وودعني أصحابي في كالجري قبل المغادرة. لا أشعرأني بحاجة لمزيد من الاحتفالات وألبس روب التخرج وأتصوروأضحك الصورة تطلع حلوة الخ الخ

حقيقي لا أريد كل هذه الضوضاء. أشعر داخليا كمن كان يحمل فوق ظهره طنًا من الأحمال وتخفف منها. شعور الراحة  هذا لا أريد أن أعكره بأحمال آخرى حتى وإن كانت رحلة طيران، وفي نفس الوقت لا استطيع أن أحافظ عل شعور الراحة هذا وأجلس في هدوء وسكينة ببساطة لأنه مطلب شبه مستحيل في مصر. أحاول أن أخطف يوما مع صديقة هنا يوما هناك. أحيانا تعاكسني الظروف وأحيانا لا. ولكن لا تتوقف دماغي عن التفكير في الخطوة القادمة.

أحيانا يبدو أن عدم وجود طريق أصعب بكثير من وجودك في طريق مجبر عليه. لا استطيع أن أفعل مثل أليس في بلاد العجائب  إذا كنتي لا تعرفين أي طريق تسلكين يا أليس فأسلكي أي طريق. فعلت هذا من قبل أكثر من مرة أن أسعى في كل شىء وعندما تفتح أمامي سكة استخير وأمشي فيها وأقول أكيد هي الخير طالما الطريق مفتوح. الآن أشعر أني كبرت على هذه المغامرات وأنه من المفترض أن أتوقف لأسأل نفسي ماذا أريد أن أفعل وماذا أريد أن أحقق. لأنك لو سرت في أول طريق مفتوح أمامك حتما سيفوتك طرق آخرى كانت ستأتي لو انتظرت قليلا وربما كانت هذه الطرق هي ما تريده بالفعل.

ولكن المشكلة أننا أحيانا لا نملك رفاهية الانتظار. ومن المؤلم للضمير أن تكون محتاجا للمال ثم تقول لوظيفة لا لأنها لا تناسبك. أحاول أن أتجاوز احباط الشعور بأني في الخامسة والثلاثين من عمري وما زلت أعتبر في مقتبل حياتي المهنية. كل هذا التعليم والسفر والتعب وما زلت على أول الطريق سواء عملت في المجال الأكاديمي أو الصناعي. كل ما أمتلكه هو شهادة “قد” تدل أنك تفكر بشكل جيد وبعض الخبرات هنا وهناك. ولكن كل هذا يضعك على أول السلم. وعندما تتصفح فرص العمل تشعر أنك لا تصلح لشىء في أول وهلة. هناك كثير ينقصك لتتعلم. يبحثون عن أشياء  ليست  لديك ولديك أشياء لا يبحثون عنها. فكيف تقابل من يبحث عن الشىء الذي لديك؟ وإذا قابلته فهل هو المكان المناسب؟

لم أعد نفس الشخص الذي ينبهر بأي فرصة ويجري عليها ويعطي لها كل مجهوده ووقته. ربما لم يكن لدي ما يكفي من الثقة بالنفس في السابق لأقرر أني أريد ذلك ولا أريد ذلك. سأقدم في تلك الوظيفة ولن أقدم في تلك. سأفعل هذا أولن أفعل هذا. أشعر الآن أني لا يكفني فقط أن أحب الشىء أواحتاج إليه لأقوم به واستهلك نفسي بدون استراتيجة عن فائدته المستقبلية. ربما كان علي أن أفعل هذا منذ وقت طويل. أشعر أني كنت كبنت     مراهقة كلما لوح لها شاب ذهبت معه، والآن ربما نضجت وربما لا.

أخاف أن أظل هكذا أحسب الخطوة القادمة طويلا فلا تكون هناك خطوات قادمة. أعرف أن علي أن أتكلم مع الكثير من الناس في مجالي وأن أحاول أن أتعلم بعض الأشياء وأجهز نفسي لأقدمها بشكل جديد. وأعلم أنهم يقولون أن من الأفضل أن تقوم بكل هذا قبل الانتهاء من الدكتوراة وهو ما أنصح به الآخرين إذا كان لديهم وقتا فائضا. أما بالنسبة لي ولظروفي فقد كان وقتها مستحيلا.

ثم بعيدًا عن مجال دراستي الذي من المفترض أن يأكل ذهبا كما يقولون ، يوجد لدي مواهب كالكتابة، من الممكن إذا شئت أن أكتب في الهافتنغون بوست أو أي موقع مشابه وتنتشر أفكاري أكثر وأزيد من شهرتي ككاتبة. أحول الدعم النفسي الذي أقوم به بشكل عفوي لمهنة مثلا. ولكن كل هذا لا يأكل عيش حاف. ولا يصلح أن يكون مصدرًا للدخل بمفرده. ومهنتي مرهقة لو عملت بها بشكل جدي فسأودع الأشياء الآخرى في الأغلب.

ثم يأتي لك أحدهم وسط كل هذا ويقولك لابد أن تهتمي بدينا بأه. أكثر من نصف الأشخاص الذي قابلتهم في مصر تحدثوا معي عن وجوب قيامي  بعملية جراحية لانقاص وزني (وبعضهم كان يراني لأول مرة منذ سنوات). لا أعلم لماذا علي أن أرد طول الوقت على سؤال أنتي مبتعمليش العملية ليه؟ وكأن إجراء العملية الجراحية شىء مثل شرب الجريب فروت على الفطار. على العموم ربما سنتحدث في هذا الأمر في مقال منفصل. ولكني أشعر الآن بشعور بعض زميلاتي غير المتزوجات اللاتي انتهين قبلي من الدكتوراة فتحولت مواضيع الناس من حولهن إلى البحث عن عريس مناسب  وأنتي خلصتي دكتوراة فيلا بأه العريس. الموضوع بالنسبة لي مشابه ولكنهم يبدو أنهم وجدوا أنه لابد أن أقوم بالعملية الأول ثم ندور على العريس. حقيقي نو كومنت

بصرف النظر فبشكل عام أنا سعيدة الحمد لله بوجودي وسط كثير من أحبابي في مصر، أشعر بالفرح عندما أقدر على عمل أي شىء ايجايبي في مصر ولوأني أعمل الحوض لماما، أمرض كثيرًا جدًا بسبب تعود مناعتي على بلاد الفرنجة النظيفة، مرتاحة من التخفف من ضغط الدكتوراة ولم يعد يركبني ميت عفريت عندما ينادني أحدهم بدكتورة، وقبل كل هذا أو بعده ما زلت أبحث عن الخطوة القادمة.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

2 responses »

  1. عبد القادر قال:

    وفقك الله الأخت الدكتورة في حياتك الاجتماعية. والحقيقة ان العمر غفلة في نهاية المطاف، وبالتالي فمن الأهمية بمكان ان يكًن للإنسان هدف في هذه البسيطة،وجميل ان يعتلي الانسان أكمة نفسه بين حين وآخر، لان الماضي لن يعود والزمن يمضي في سيره المجد ولايلتفت لأحد .

  2. siwar قال:

    وفقك الله دينا، أنا أيضا اطرح نفس الأسئلة بعد ثاني “post-doc” …تقدم السن يفرض علينا البحث عن طريق الإستقرار والعائلة، وطموحنا يدفعنا إلى المغامرة والسفر ..هذه التحديات مطروحة أكثر على المرأة ..المساواة بين المرأة والرجل نظرية عبثية …الطبيعة نفسها لم تساوي بيننا :(((

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s