مر حوالي شهر على تدوينة عن الفشل نتحدث والتي كتبت فيها عن الصعوبات التي واجهتني في مناقشة الدكتوراة

وانتظاري للقرار النهائي الفصل من الجامعة في المشكلة التي حدثت. كان هناك احتمالين أما أن يكون القرار في غير صالحي (أي السقوط) وبناء عليه يجب أن أعيد المناقشة في خلال من 6 أشهر لسنة أي في شهر مارس 2017 على الأقل

أما الاحتمال الثاني فيكون النجاح في الامتحان وربما تكون هناك تعديلات في الرسالة مطلوبة قليلة أو كثيرة وربما تنجح الرسالة نفسها أو لا.. شجرة احتمالات كبيرة دوختني الصراحة

المهم  الطالب الذي يتعرض لحالة الانتظار مثلي يسمونه

hibernate

وهي تسمية دقيقة جدا ﻷن كل شىء يتوقف حتى يصدر القرار النهائي والذي من الممكن أن يأخذ أسبوعين أو أكثر. ما أبشع الانتظار.. كل دقيقة تمر وكأنها ساعة بل شهر،لا أعلم كيف ينتظر الناس ذويهم خارج غرفة العمليات ولا يوجد أي شىء في أيديهم سوى الدعاء – أنا كذلك لم يكن بيدي أي شىء سوى الدعاء..

ودعوت، بكيت هذه الأيام في الدعاء كما لم أبك من قبل، ربما كنت احتاج أن انكسر لله كهذا وأن أوقن طوال عمري بعد  الحصول على الشهادة أن الأمر كله لله وإنه كان من الممكن جدا ألا أحصل عليها حتى بعد كل ما بذلته من مجهود للوصول لنقطة المناقشة. اعتقد أنه كان لابد أن أصل لنقطة اليقين تلك بدرس نهائي، كنت أقول لنفسي إذا تركت كالجري وقد كسرني هذا الموقف أو غيرني للأسوأ فإني حقا لم أتعلم أي شىء في الثماني سنوات الماضية.

ولكن التفكير العقلي شىء والعواطف شىء آخر فرغم تماسكي كنت أنام كمن يتم ضربه طوال الليل واستيقظ عدة مرات باكية وطوال اليوم غير مركزة من قلة النوم، أحاول أدعي. أشعر بمرارة الظلم وأقول ربما كان هذا حتى لا أتسرع وأظلم أحد بعد ما رأيته، أعرف أن  الله سخر لي عدد من الدكاترة وأولهم مشرفي ليدافعوا عني فأخذ على نفسي عهد ألا اتقاعس عن نصرة انسان مظلوم، أصدقاء وقراء كثر كانوا يدعون لي وحاولوا أن يساعدوني ويهونوا عليا، كنت أشعر بالآية الكريمة “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان” كل يوم بل كل ساعة

ربما كانت أصعب اللحظات عندما ذهبت لاخلاء مكتبي ورميت كل أوراقي وكشاكلي..كنت أقلب في الصفحات التي ألخص فيها بحث أو أفكر فيها في مسألة  وأقرأ ما يقطعها من هوامش وخواطر بالعربي مخاطبة فيها نفسي ﻷصبر أكثر وأحاول أكثر وأشد على نفسي أكثر..ثم أجدني تارة يائسة وتارة مهنئة نفسي بنجاح شىء وتارة معنفة نفسي.. مئات الصفحات من حديث النفس المختلط بالمادة العلمية أقرأها ودموعي تنسال..قالت لي صديقة  لماذا ترتبطين بالأشياء هكذا؟ أنا فضيت مكتبي بدون أي مشاعر..قلت لها وهل من يقضي مكتبه وهو ناجح كمن يفضيه وهو معلق بين النجاح والسقوط

ده في ناس من ستاف الجامعة مكنتش بترفع عينها في عينا عشان مش عارفة تقول ايه..فأنا كنت بأحاول أكون عادي وأسلم عليهم وأقولهم

it happens.. I’m ok..

لا أعلم كيف نظفت شقتي ومكتبي وسلمتهما للجامعة وكيف جمعت أشيائي، لولا أصدقائي الذين ساعدوني في كل شىء لما استطعت أن أفعل كل هذا. سلمت على معظم الناس في كالجري سلام الوداع ﻷني لا أعرف اذا كنت سأعود أم لا ووضعت في الشنط ما وضعته وقررت أن أدفع وزنا زائدا في المطار ﻷني ليس بي عقل ﻷفكر ماذا أخذ وماذا أترك وماذا أرمي.. حوالي 24 ساعة سفر لم أشعر بهم حتى وصلت لحضن أمي في دمياط وانفجرت في البكاء.

لم يكن هذا الرجوع الذي أتمناه بعد هذه الغيبة، أجرجر ثياب الخيبة كما يقولون. ولكني كنت قد تجاوزت عقليا مرحلة رفض . اعادة الامتحان لو لم يصدر القرار لصالحي وتعايشت مع امكانية أن أعيد الامتحان مرة آخرى في مارس وهذا هون من احساس أنها النهايةولكن بقيت مرارة الانتظار … مزيدا من الانتظار ولكن هذه المرة في أحضان الأهل. كنت أحاول أن أبدو طبيعية ولكن كل يوم يمر كان يزيد القلق بداخلي. أبدأ في مراقبة الأيميل منذ الرابعة ونص عصرا بتوقيت مصر حتى أنهار قرب منتصف الليل (نهاية يوم العمل في كالجري) ﻷن عدم وصول ايميل معناه يوم آخر أو أكثر من الانتظار.

حتى جاء يوم ووصل الايميل يقول أن هناك ملف مرفق به القرار ثم قطعت شبكة الانترنت (لعنة الله على الانترنت في مصر) نزلت أنا وابنة خالي نحاول أن نلتقط شبكة من أي مكان قريب وأخيرا نزل الملف وفتحته ووسط كل الكلام الكتير عن اللوائح والقوانين وأن الجامعة حريصة على العدل الخ الخ وجدت كلمة

pass

لم أصدق سألت ابنة خالي وهي لسه مخلصة ثانوية عامة هو يا مرفانا مش

pass

يعني ناجح..أخدتيها أنتي في الانجليزي مش كده؟

قعدت تضحك وفاكرة أني بأهزر، رجعت لماما اللي كانت أعصابها هي كمان اتدمرت وقلبها أوشك أن يقف وبلغتها القرار

انطلقت الزغاريد وسيل التهاني والمباركات وأنا فعلا مش مصدقة أنه خلاص كده وفضلت بقية اليوم شبه مصدومة، أيوه فرحانة بس حاسة أن لسه في خازوق تاني ممكن يطلع لي مثلا ولا حاجة.

لسه طبعا في تعديلات مطلوبة في الرسالة محتاجة تتعمل حتي يمضي المشرف على النسخة النهائية وده اللي مخليني لسه مش مطمنة.. يقولوا ده روتين ..يقولوا بتنجان..أنا مش هأحس بالموضوع ألا لما أمسك الشهادة في أيدي وعليها اسمي مكتوب صح واسم الدرجة صح.. ايوه هو للدرجة دي، واحتمال كمان مأحسسش بعدها بحاجة..

بس ده طبيعي ﻷن بعد الضغط النفسي لفترة طويلة المخ بيأخد فترة عشان يحس أن مفيش ضغط..أنا لسه بأنام أحس أني بأترج أو بأضرب.. ولسه بألاقي عقلي كل شوية يستعيد أحداث المناقشة وما حدث فيها كأني فيها.. بأقول لهم مثال لو في طشت مليان مياه وقعدت ترجه يمين وشمال كتير بيأخد وقت لما تسيبه لحد ما المياه تستقر. أنا بأحس أن كل أعصابي مش مستقرة لسه.. ولما بأدخل في مناقشة علمية أو أي مناقشة جادة مع حد بأحس بعدها أني مصدعة وتعبانة جدا وعاوزة أنام..بس ده كله طبيعي، الموضوع محتاج وقت ﻷفصل، فنحن لسنا آلات زرار نفرح وزرار نحزن وزرار نقلق وزرار نطمئن..حتى الآلآت تأخذ وقتا للانتقال من حالة لآخرى، وإن شاء الله سأنتقل لحالة الفرح قريبا ولكنه فرح بفضل الله قبل كل شىء

قلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

شكرا لكل الناس اللي باركت ليا وفرحت معايا بالنجاح وأخص بالذكر أصحابي في من أوروبا البلد اللي كتبوا البوست العظيم ده

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

5 responses »

  1. غير معروف كتب:

    ربنا يرزقك الفرح و الرضا

  2. غير معروف كتب:

    ربي لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
    شكرا لمجهوووووودك ولسعادتك ربنا يتم لك التفوق والسعادة والحكمة والعلم الطيب وما تحبين

  3. غير معروف كتب:

    دكتورة جزاك الله خيرا لانك قدوة

  4. hamadasamir2000 كتب:

    مبروك يادكتور وبالتوفيق ديما
    هذا الموقف حدث ل ف ف العمل ف شركه أرامكو أكبر شركات البترول
    من وقت قولي ف دخول الامتحان والنجاح فيه واستلام التأشير حتي دخولي الشركه نفسها
    إحساس موش هيحسه إلا الذي جرب
    مبروك مره اخره

  5. ghadirsaleh كتب:

    ألف ألف مبروووك دكتورة دينا والله فرحتلك من كل قلبي لأني عن بعد من بغداد عشت معك كل لحظات القهر والتوتر والخوف …صراحة مو بس عشتهم وإنما أصلا اتعرفت على مدونتك وتحديدا مقالتك “عن الفشل نتحدث”بأصعب ظروفي لمن انرفضت فيزتي لأميركا لتقديم امتحان المعادلة العملي بعد ماكان صرلي سنتين من عمري مستنفرة وأدرس وامتحن لتحقيق حلمي في اكمال الاختصاص الطبي في أمريكا…عشت بالإسبوعين الماضيين أصعب لحظات حياتي. دموع وقهر وغضب واستسلام…بس اتقويت كتير بكلامك وتجربتك وحسيت إني لساتني ببداية المشوار ولسا الطريق طووووويل….فرحتلك يادكتورة بتستاهلي هالنجاح العظيم وأنا رح ضل تابع أخبارك وبفتخر فيكي دكتورة مسلمة عظيمة بجامعة راقية….أختك في الله من العراق:غدير صالح

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s