أيام نتيجة ثانوية عامة، قرأت بوست لأحدهم يقول أن الفيس بوك مليان بأخبار الناس اللي جابت فوق التسعين أو الثمانين في المئة وأن كل واحد بيتباهي بابن أخت بنت عمه اللي جاب معرفش كام ولكن لا أحد يتحدث عن أولئك الحاصلين على سبعين ولا ستين ولا خمسين في المئة (اللي هم بتعريف الثانوية العامة في مصر فشلوا لحد ما) ، لا يوجد أحد منهم يتحدث عن نتيجته ولا يوجد أحد من أهلهم يفخر فيهم أو يواسيهم.. هم منسيون تماما، يجلسون في صمت يراقبون كل ما يحدث..لأننا ببساطة لا نتحدث عن الفشل وإذا تحدثنا عنه يكون بعد النجاح مرة آخرى، (يعني بعد النهوض من السقوط يقولون لك على فكرة احنا فشلنا وكنا حاسيين بكذا وكذا وبعدين قمنا تاني وعافرنا وأهو أنا نجحت وعرفت اعمل وأسوي)

لكن وقتها، عند الفشل لا أحد يتحدث، لذلك فقد قررت أن أتحدث الآن (تذكروا أكتب لكيلا أجن) -طيب ايه اللي حصل؟

مناقشة الدكتوراة كانت من يومين (وحقيقة أشعر أنها كانت من سنتين)، هناك تفاصيل كثيرة حدثت في المناقشة لا يمكن أن أكتبها علانية لأننا في مرحلة انتظار لقول فصل من الجامعة في الأمر ولكن باختصار أني فشلت أن أنجح بشكل مباشر وواضح كما كان يتخيل الجميع قياسا على خبراتهم الشخصية أو ما يسمعونه. خبرتي الشخصية أنا ايضا كانت مشابهة، كل من حضرت مناقشتهم نجحوا بعدها مباشرة، ولكن هذا لم يحدث معي!

لماذا؟ ولماذا أنا؟ وهل يوجد آخرون مروا بنفس الموقف ولكنهم أخفوا الأمر فلم يعرف بهم أحد أو لم يتحدث أحد من أصحابهم عما حدث احتراما لخصوصيتهم؟ بالتأكيد هناك آخرون .. هل كلهم مظلومون؟ بالقطع لا.. هناك مظلمون وهناك مقصرون وهناك خليط بين هذا وذاك.

بصرف النظرعن التفاصيل التي لا يمكن سردها والأسئلة المختلفة التي لا يمكن الاجابة عليها، يبقى أن النتيجة لا نجاح ولا سقوط مؤقتا وأن كل تحضيرات اليوم وما بعد اليوم من صور واحتفالات وتهنئات وتحضيرات تم لمها في هدوء وأني رجعت لسريري يومها شبه مصدومة وأنه كان هناك الكثير من البكاء وما زال كما هو متوقع

كنت قلقة بشدة قبل المناقشة لأني كان عندي احساس شبه يقيني بأن شىء ما سيحدث وبشكل ما أنا عمر ما احساسي خيب. لا أدعي معرفة الغيب بالطبع ولكن اعتقد أن هذا الاحساس تهيئة من الله للتعامل مع واقع صعب على النفس تقبله. كل الأحداث المؤسفة التي مرت بحياتي من أول وفاة جدي  الذي استيقظت يومها صباحا أبكي واهتف باسمه  إلى وفاة جدتي إلى كل شىء سيىء آخر كان عندي هذا الاحساس ـ ولذلك كنت أطلب من الجميع قبل المناقشة الدعاء وأن ينزل الله سكينة على قلبي وأعرف أن البعض كان يتعجب مني ولماذا أهول الأمر هكذا، لأني ببساطة كنت أحس أن شيئا ما سيحدث، ليس قلة ثقة في نفسي أو في شغلي ولكنه فقط ذلك الاحساس أن شيئا غير متوقع سيحدث.

المشكلة أنه مع هذا الاحساس لم يكن أمامي أي شىء سوى الاستمرار للنهاية وانتظار ما سيحدث. لذلك أني لا أؤمن وما زلت لا أؤمن بالتفكير الايجابي والكلام بتاع التنمية البشرية، لأنه يجعلك سقف توقعاتك عاليا ويجعلك تكذب حدسك وفطرتك التي ربما تهيئك لشىء آخر مكتوب أن يحدث ولابد أن تتعامل معه بقوة  بقوة وصبر دون أن تتهاوى نفسيا

 ،نرجع مرجعونا للفشل وحقيقة أنا عاصرت مواقف كثيرة في حياتي اتظلمت فيها وفشلت فيها على كل المستويات وبعضها اعترف كان بتقصير وبعضها مقصرتش دنيويا بس كنت محتاجة اتقرص شوية عشان اتعلم شوية حاجات….بصوا من الآخر يعني أنا ممكن ألف كتاب كيف تفشل ألف مرة ومرة🙂 أنا واثقة على فكرة أن في ناس كتير عندها تجارب متعددة مع الفشل وأكتر مني بكتير بس مش عاوزة تحكي عنها، حتى لو نجحت بعدها وأنا متفهمة ده كويس بس أنا عاوزة أحكي🙂

اليومين اللي فاتوا مريت بكل مراحل التعامل مع الفقد: انكار وعزلة وغضب وكآبة وفصال وتقبل، ولسه بأترجرح ما بينهم مش هأنكر

http://psychcentral.com/lib/the-5-stages-of-loss-and-grief/

بس  المرة دي مريت بالمراحل أسرع شوية يمكن عشان الواحد بقى خبرة أو جايز عشان لسه  في شوية أمل، بصرف النظر في حاجة اتكسرت أكيد جوايا وفي نقطة من الشك في النفس عمالة تتأرجح بين الزيادة والنقصان بس مقابلها في نقطة من اليقين بتزيد بأن هناك حكمة لكل أمر وإن كانت مجهولة الآن فسأعلمها يوما ما.

صعب على النفس أكيد رؤية نظرات الشفقة في عيون كل من حولي واحساسي أنهم مش عارفين يعملوا ليا ايه خاصة أهلي اللي بعيد عني،  عارفة أنهم كان نفسهم أفرح وألاقي نتيجة لتعبي كل السنين دي. أنا كمان كان نفسي أفرح وأسعدهم ولكن “وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون”

ممكن اقعد أعدد حاجات كتير أنا اتعلمتها في السنين اللي فاتت في كالجري ومن اللي حصل في المناقشة وأحاول أبص لنص الكوب المليان بس ده هيكون ضحك على نفسي حاليا وأنا مش حابة أعمل كده ومش حاسة نفسيا أنه مفيد خالص أن الواحد يكتم احساسه بالحزن والقهر لو هو حاسس بكده لأن محاولة التأقلم السريع غالبا بيعقبها انهيار سريع (اللي شاف فيلم انسيد أوت هيفهم المعنى ده)، كل حاجة محتاجة تأخد وقتها ولما النفس تكون جاهزة للانتقال لمرحلة تانية هتقدرتنتقل

مشاعرنا لازم تتعاش عشان تخف صح من غير ما تسيب جروح  عميقة ..مش شوية بلاستر وميكروكوم واجري..أنا حزينة وغضبانة بس الحمد لله أنا مش ساخطة على قضاء الله وراضية به ودي أهم حاجة.. ناس كتير كانت بتقولي قبل المناقشة اني ساعدت ناس كتير قوي وأكيد ربنا هيقف جنبي ويساعدني في مناقشتي وأنا كنت بأقول لنفسي غلط التفكير ده مينفعش استنى جزاء دنيوي وأحاسب ربنا لو محصلش.. الحمد لله أني ما انزلقتش أني أعاتب ربنا أو أقول اشمعنى أنا أوأقول أني نادمة على أي حاجة  كويسة عملتها لحد.. لأني لو كنت عملت كده كنت هأكره نفسي قوي بعدها وكنت ساعتها هأسقط بجد بس في امتحان تاني أهم بكتير..”هل جزاء الإحسان إلا الإحسان”..مش  لازم في الدنيا..مجرد احساسي بالرضا ده إحسان من الله عز وجل

للتوضيح: أكيد ممكن الواحد يتوسل لله بأعماله الصالحة أنه يفرج كربه وهناك شواهد على ذلك ولكن تفريج الكرب مش لازم يكون دنيا أو واقع مادي  ملموس، ممكن يكون حاجة تانية خالص مجرد استسلام لقضاء الله

وبصرف النظر عن القدر، أنا عارفة أن في أسباب دنيوية للمصاب اللي أنا فيه وحاليا بنسعى نعالجها وربنا يعين، هأقدر أنجح في ده أو مش هأقدر، معرفش ولكن علينا السعي وليس علينا ادارك النجاح

هل كل حاجة تستحق السعي والقتال لأجلها حتى النهاية؟ ده السؤال اللي حير ناس كتير. أفضل مكمل وأغامر أني أخسر مزيدا من الوقت والأشياء الآخرى ولا انسحب وأفضل اندم طول عمري على الانسحاب. مفيش اجابة صح للسؤال ده لأنه متوقف على عوامل كتير..لا اللي بيكمل دايما صح ولا اللي بينسحب دايما جبان. لأن أولوليات حياة الانسان ممكن تخليه يأخد قرار حكيم بالانسحاب في الوقت المناسب قبل مزيد من الاستنزاف وممكن برضه  الأفضل يكون أنه يكمل  لو عنده طاقة لذلك. هل كان لازم انسحب من زمان؟ ممكن آه وممكن لأ.. أنا مش عارفة حاليا أحدد صراحة.. ومعتقدش أني في حالة نفسية سليمة تسمح لي بتقييم صحيح أصلا .. وفي نفس الوقت مش هيفرق حاجة اجابة السؤال ده في واقع حالي لأن اجابة سؤال أكمل ولا مكملش حاليا مش معتمدة على صحة أو خطأ اجابة السؤال السابق.. لأن الظروف دلوقتي مختلفة تماما

الخلاصة لكل حد بيمر أو هيمر بتجربة فشل مشابهة سواء في الدكتوراة أوغيرها، أنا كتبت ده عشان  أفضفض مبدئيا  وعشان تحس أنك مش لوحدك وأن  في ناس بتعبر عنك موجودين في الدنيا بصرف النظر عن التفاصيل اللي ممكن تكون مختلفة من حالة لآخرى (وكلام في سركم أنا عندي احساس أني بأتعرض لكل ده عشان بعدين أقدر أساعد ناس تانية لما يتعرضوا لنفس الأمر من غير ما أبص لهم من فوق أو عدم تفهم لاحساسهم)

 أخيرا في كلمتين كتبتهم  ياسمين مجاهد امبارح وأثروا فيا جدا زي ما يكونوا في  وقتهم

“In the end, it won’t be how you walked in the sun–but rather how you handled the storm–that will determine your success. It won’t be how you shined in the light. It will be how you managed the darkness, inside and outside yourself. It won’t be about how you ran. It will be about how you fell, and then got back up. Over and over. It won’t be about your wins. It will be about how you took defeat. Not about how you performed while strong, but how you did, while bound and broken. It won’t be about your ability to walk. It will be about your willingness to crawl–even when you’re hopeless. Unable to stand. It won’t be about what you did when you won. But who you were when you lost. Again. And again.
Because character isn’t made on the shore. Character is born in the waves. The crushing kind. The kind that tell you to give up because what’s the point of trying just to fail again. The kind that tell you that the ocean’s too mighty for you, and you don’t stand a chance.
But you see, heroes aren’t known by their trophies.
They’re known by their scars.”  
Yasmin Mogahed

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

5 responses »

  1. السلام عليكم، دينا أنا من متابعي مدوّنتك لأنّي فقط أغبطك على قدرتك العظيمة على الصدق. أنت دائما تتحدّثين عن الإنسان و عمّا يمرّ به من حالات ضعف و فشل و تعثّر لا مهرب منها في سعيه في هذه الحياة، على عكس الأغبية التي تنشر تجاربها لتتحدّث للناس عن الظروف الاستثنائية و الخارقة التي جعلتها تنجح و تتميّز. محتاجون نحن أن نتصالح مع بشريّتنا: أوجاعنا و ضعفنا و فشلنا و سقوطنا.. هذه المواقف هي التي تصنع الإنسان و إذا ما أنكرها على نفسه سقط في بئر عميق مظلم بلا قرار من جلد للذات و اهتزاز للإيمان و كره للحياة.. طوبى لكِ بهذه النفس الكبيرة و الروح الراقية ! أنتِ تُلهِمين في كثير ممّا أمرّ به..

  2. غير معروف قال:

    السلام عليكم،
    لم نتقابل من قبل و لكني مررت بالصدفة على مقالك خلال تصفحي الفيس بوك. قرأته و أنا في المكتب. بعد حوالي ساعة خرجت وجدت السماء تمطر! كان حدثا غير متوقعا بالمرة لاني في السعودية حاليا – في عز الصيف! أحسست بالرغبة في الدعاء و وجدتني لا أفكر إلا بك خلاله – سبحان الله! فقط أردت أن أخبرك بذلك🙂

    أيضًا، أحببت أن أخبرك – كم أعجبني ربطك للدكتوراه بمجاميع الثانوية العامة! أنا طالبة أيضا. و لقد صادفني الكثير من الطلبة تركوا الدكتوراه في منتصف الطريق و اتجهوا للعمل و نجحوا. و آحرين ظلمهم النظام وأبدلهم الله و نجحوا. و آخرين حصلوا على الشهادة بتميز ثم ظلوا فترة بدون عمل. و آخرين حصلوا على الشهادة بدون تميز و لكنهم رزقوا بوظائف رائعة.
    أدركت ان النجاح ليس في الحصول على الشهادة او بعدد الدرجات. النجاح الحقيقي في العلم و المعرفة و الخبرة الثمينة التي اكتسبناها أثناء رحلة البحث و كيف نستطيع اسثمارها فيما بعد في رضا الله و نفع الناس. إنما الفشل أن يدخل الشخص و يخرج كما كان من قبل. أما الألقاب فما هي الا اسماء سميناها نحن و من قبلنا ما أنزل الله بها من سلطان. خفف الله عنك كل المصاعب و توج رحلتك بكل نجاح في الدنيا و ما بعدها – آمين!

  3. غير معروف قال:

    السلام عليكم،
    مرّ زمن على تدوينتك ولا أدري أي الخيرين اختار الله لك. أياً كانت نتيجة المناقشات، أرجو من الله أن ينزّل على قلبك السكينة ويهيء لك من أمرك رشداً.
    أتابعك بصمت منذ مدة طويلة وتأسرني تدويناتك لأنها تتحدث إلي كأنها صوتي الداخلي الأنّان الذي لا يكل ولا ينطفئ.
    أحببت أن أشاركك هذه الكلمات لأخبرك أنه آلمني ما آلمك وأسأل الله أن يفرج كربك.
    بكل حب.

  4. غير معروف قال:

    مبروك النجاح أولا.. وبالتأكيد كل دا لسبب ولحكمة ثانيا.. وعندي سؤال دائما يدور في بالي ثالثا: هل عدم قدرة الشخص على الوصول أو على تحقيق إنجاز ما يعد فشل حتى لو كان لأسباب خارجة عن إرادته؟ أو حتى لو له منها نصيب لكنه بيسعى وبيحاول وبيجتهد ومستمر في الحركة بس لسه ما وصلش وما حققش، يبقى دا فشل وهو كدا فاشل؟
    هو عايز ينجح ويوصل ويحقق حاجة لكنه لسه مش عارف يعمل دا رغم أنه بيبذل مجهود في سبيل تحقيقه، يبقى فاشل؟!
    يعني إيه فشل؟! إيه التعريف الحقيقي الموضوعي الدقيق للكلمة دي؟؟

  5. […] حوالي شهر على تدوينة عن الفشل نتحدث والتي كتبت فيها عن الصعوبات التي واجهتني في مناقشة […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s