أخيرا انتهى الترم وانتهت معه أول تجربة لي كمحاضرة في جامعة كندية، التجربة التي استفدت منها الكثير وأهم ما استفدته هو احتياجي النفسي لتذوق طعم النجاح بعد سلسلة متتالية من الاخفاقات على كل المستويات… تنساب دموعي وأنا أقرأ العبارات التي دونها طلبتي لي والتي سأحاول أن أترجم بعضها:
لقد كنت محظوظا للغاية أنك معلمتي، أنت من أفضل المدرسين الذين درسوا لي، شكرا فقد جعلتني أعشق البرمجة، مقدر جدًا لكل ما بذلتيه من أجل تعلمينا، منذ البداية وضعتي نصب عينيك أن ينجح طلابك وقد كان، استمتعت كثيرا بالكورس شكرًا ﻷنك كنتي في منتهى الطيبة واللطافة والشغف بالبرمجة.
فلاش باك لشهر أغسطس ويوم الأنترفيو صباحا وأنا يتردد في داخلي كلمة واحدة ”أنت فاشلة“، ”لن تنجحي أبدا“. ذهبت لمقابلة مشرفي وقلت له أني لدي أنترفيو بعد الظهر في هذه الجامعة الصغيرة فشجعني وقال لي ”كوني نفسك، لا تحاولي أن تمثلي أنك شخصا لست أنت“ ولكن نفسي تحدثني أني فاشلة فكيف أكونها؟! قابلت بعدها أحدى صديقاتي وقلت لها لا أريد الذهاب ..لا استطيع التحرك..تحدثت معي عن أنه ربما كان رزق من ربنا ليس مادي فقط ولكن خبرة تضاف للسيرة الذاتية..وقامت وسارت معي مشوار طويل حتى أوصلتني للمحطة وتأكدت من ركوبي القطار (موقف لن أنساه لها).
وصلت الأنترفيو متأخرة وهذا طبعا قد يخلف انطباعا سيئا للغاية، أضف إلى ذلك أني كنت أنهج بسبب المشوار الذي قطعته شبه جريا من محطة القطار للجامعة.. إذا علمت إني ممتلئة الجسم فلك أن تتخيل منظري وأنا ألهث والسكرتيرة تجري لتحضر لي كوب ماء بدون أن أطلبه.. دخلت الأنترفيو بهذا الحالة المزيرة والتي توقعت معها أن يلقوا بي خارجا.. ولكنهم لم يفعلوا .ولم يحكموا علي بظاهر الأمر. كانوا يقرأون في سيرتي الذاتية وشبه منبهرين بالكورسات التي حصلت عليها في علم النفس والتدريس ..كانت انترفيو موفقة والحمد لله وما زلت أتذكر وأنا أكلم صديقتي في التليفون في طريقي للعودة وأقول لها ”تصدقي أنا مطلعتش فاشلة قوي – حتى لو لم يقبلوني يكفي أني تذكرت أني كنت يوما ناجحة-على الأقل هذا ما تقوله سيرتي الذاتية“ . .في اليوم التالي وصلني ايميل بقبولي ودعوة لتوقيع العقد ﻷدرس معهم هذا الترم..
ولكن رغم كل هذا حاولت أن أبرر نجاحي في الأنترفيو للصدفة أو جايز هم مش لاقين حد تاني يرضى يدرس عندهم. أو أكيد السيرة الذاتية خدعتهم لكن أنا لست هذا الشخص على الأقل الآن …ظلت هواجس الفشل تتردد داخلي وتمنعني من أن أقوم بتحضير الكورس..كنت كل يوم أحاول أن أقاومها..أتكلم مع صديقاتي عن محتوي الكورس وتقسيم المادة ..أتكلم مع مستشاري النفسي محاولة استعادة ثقتي بنفسي..كأنك أمام قوتين واحدة تجذبك لأسفل باصرار وأنت تحاول أن تتشبث بأي شىء لتطفو..
ثم جاء أول يوم في العام الدراسي ومن فرط خوفي لم أقود بتجهيز المحاضرة ولم أكن أريد الذهاب أصلا ووفكرت كثيرا أن أكتب اعتذر لهم عن الكورس..كنت بحاجة لمساعدة بروفشينال والتي يسرها الله لي عن طريق مستشاري النفسي..ذهبت في النهاية وقلت ما من الله به علي وخرجت من المحاضرة وجسدي كله يرتعش .قلت له بعدها لم تكن بالتأكيد محاضرة ممتازة ولكنها ليست سيئة حتى يقوم الطلاب بمظاهرة لاستبدالي بمدرس آخر مثلا 🙂
يوم وراء يوم كنت أتحسن ..هناك أيام بالطبع كانت سيئة ولكن هناك أيام آخرى كنت فيها جيدة وأيام كنت فيها رائعة والحمد لله .. وكل أسبوع كنت أنظر للنتيجة، مر يوم، مر يومين، مر أسبوع، مر شهر، باقي شهر، باقي أسبوع، باقي فقط الفاينال … انتهى!
كيف حدث كل ذلك وكيف انتقلنا من مرحلة أني لا أريد أن أذهب للانترفيو وارتعش بعد أول كلاس إلى مرحلة أن يحضني الطلاب نهاية الترم ويكتبون كل هذا الكلام؟!أنا نفسي لا أعرف ..سوى أنه في كل مرة كنت أحاول أن أكون أفضل وأن أتفهمهم أكثر ومرات نجحت ومرات لم أنجح.. أتذكر في منتصف الترم قمت بعمل استفتاء ﻷعرف رأي الطلاب في الكورس وماذا يريدون تغييره..بعضهم أشاد بالكورس وطلب بعض التغييرات التي حاولت أن أغيرها مثل أن أرسل لهم الباور بوينت قبل المحاضرة ليقرأوه وكان ﻷحدهم رأي سلبي للغاية مثل: لا تعرف كيف تشرح أصلا. قضيت بعدها أياما أحاول أن أعرف كيف أصل لهولاء الذين يرونني بطيئة في الشرح وفي نفس الوقت لهولاء الذي يرونني سريعة جدا.. وقررت أن أتحدث معهم بصراحة عن نتيجة الاستفتاء وأن نصل لحل وسط يكون فيه كل من في الكلاس مرتاحين ويحقق العدل للكل فاتفقنا أن يكون هناك أسئلة زيادة كل مرة عليها درجات اضافية (بونص) حتى يقوم بحلها أولئك الذين يرون المحاضرة بطيئة وفي نفس الوقت يستطبع الآخرين المتابعة بدون أن يجبروا على حل البونص..
وهكذا حاولنا أن نتناقش بصراحة في كل شىء .مثل عدم وضوح بعد الكلمات التي انطقها فقلت لهم لقد حضرت لكندا منذ 7 سنوات وهناك لكنة عندي ولن أكون مطلقا مثل شخص لغته الأولى الانجليزية ولكن أهم شىء ألا تؤثر اللغة على فهمك للمادة لذا لا ترددوا أن تستوضحوا أي شىء مني (بالمناسبة في الأنترفيو وضحت أني عندي مشكلة لكنة وعدم وضوح بعض الكلمات اجابة على سؤال ما هي التحديات التي سوف تعتقدين أنها سوف تواجهك)
بالمناسبة القيام باستفتاء شخصي غير استفتاء الجامعة يعتبر في حد ذاته مخاطرة ﻷنك تفتح الباب ربما ﻷن يسبك طالب أو يقول لك شيئا لا تريد أن تسمعه ولكنه في نفس الوقت يخلق جو من الثقة والتفاهم المتبادل ويرى فيه الطلاب أنك تحاول أن تصل إليهم وليس مجرد أنا كده وطريقتي كده وإذا كان عاجب.. وأيضا الاستفتاء الأخير بعد أن يحصل الطلاب على علامتهم النهائية أسميته exit survey، وقلت لهم أنهم سيساعدني كثيرا في الكورسات القادمة.. أسئلته كانت لو رجع بك الزمان للوراء وأخذت الكورس مرة آخرى ما الذي ستفعله مختلفا وما الذي ستكرره، لو رجع الزمن بالمحاضر ليدرس نفس الكورس لك ماذا ستنصحه أن يكرر وما الذي ستنصحه أن يقوم به بشكل مختلف … لم أقرأ عن هذا الاستفتاء في أي مكان ولكن ما جعلني أفكر فيه هو حاجة المرء دائما أن يستفيد من تجاربه…زي ما يكون بيقفل صفحة بس قبل ما يقفلها لازم يقف ويسأل نفسه أنا عملت ايه صح وإيه اللي كان ممكن أعمله بشكل مختلف.. وقتها نتعلم ..وقتها نتغير..
ربما لم أكن استفدت ماديا من تجربتي للتدريس هذا الترم (ﻷني صرفت على الوظيفة تقريبا كل ما جائني منها) ولكنها كانت بوابة ﻷجد وظيفة تدريس في جامعة أكبر بكثير بناء على خطابات التزكية والخبرة التي أخذتها هذا الترم والأهم أنها والحمد لله ساهمت كثيرا في القضاء على صوت ”أنت فاشلة“ الذي كان يتردد بداخلي…كانت سببا لأقاوم (على الأقل 3 أيام في الأسبوع) وارتدي ملابسي وأخرج من البيت ﻷفعل شيئا مفيدا .
شكرا لكل من وقف بجانبي حتى أعبر هذه الأزمة ولا أغرق في دوامة الاكئتاب ..دعواتكم لي بالتوفيق الترم المقبل مع تحدي مختلف.
إهداء إلى: المستشار النفسي مهدي قصقص / أصدقائي: هالة – مها – نسرين – سها
Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

3 responses »

  1. ayman74 كتب:

    مقالة صادقة تعبر عن تجربة أكثر من رائعة. جزيل الشكر لمشاركتنا بها.
    يبدأ النجاح دائما عند أقصى منخفضات كبواتنا أيا كانت. أحر الدعوات بالتوفيق الدائم بإذن الله
    🙂

  2. أحبّ صدقك جدّا و تعابيرك البسيطة التي تلامس شغاف الروح.. رائعة أنت !

  3. mstbedah كتب:

    جني الثمار متعة ولكي أن تستمعتي بقطفها .بالتوفيق لك بكل حياتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s