هناك مسلسل كندي أشاهده حاليا اسمه Being Erica
يحكي عن فتاة في الثلاثينات جميلة ولديها ماجستير في الأدب ورغم ذلك تعمل في وظيفة عادية جدًا ولم تتزوج بعد..
أريكا تشعر أن العمر يجري وأن كل من حولها يشعرون بالشفقة تجاهها ..تردد دائما لم أكن أتخيل أن أكون هكذا في الثلاثينات بلا زوج وبلا وظيفة وبلا أولاد ..أعيش في شقة مكونة من غرفة واحدة كأني ما زلت طالبة في الجامعة ..وكل هذا بسبب اختيارتي الخاطئة طوال عمري …أريكا يأكلها الندم على الماضي وعلى أشياء كثيرة تتخيل أنها لو كانت قامت بها بشكل مختلف لانتهى بها الأمر لمسار مختلف ..

وهنا تأتي لها الفرصة عن طريق معالج نفسي يجعلها تسافر للماضي في كل حلقة لتحاول أن تصلح شيئا من الأشياء التي تندم عليها والتي تعتقد أنها أثرت كثيرا في حاضرها لتكتشف أريكا أن بعض هذه الأخطاء ليس أخطاء وأنه عندما عاد بها الزمن فعلت نفس الشىء رغم أنها تعلم عواقب ذلك في مستقبلها جيدا ولكنها لم تملك أن تفعل سوى ذلك اتساقا مع شخصيتها، من هذه الأخطاء مثلا رفضها الانضمام لجماعة أدبية في الجامعة تعتمد على أساليب غير أخلاقية رغم أنها في الحاضر قابلت زميلتها التي انضمت لهذه الجماعة وكيف أنها ساهمت في أن تجعل لها وظيفة مرموقة فتندم أنها رفضت الانضمام لهم من قبل ولكن مع إعادة الزمن ترفض مرة آخرى وتعود للزمن الحالي في حالة تصالح مع النفس إزاء هذا الخيار

هناك أخطاء آخرى تجنبتها أريكا عندما عادت للماضي ولكن عواقبها حدثت على أية حال مثل أنها تجنبت في حفلة المدرسة أن تشرب الفودكا والتي تعلم أنها ستؤدي لانهاء علاقتها مع صاحبها، هذه العلاقة التي ستظل لل14 سنة التالية تتخيل كم كانت ستكون رائعة وتظل من فترة لآخرى تذهب لصفحة الفيس بوك الخاصة بصاحبها وتندم أنها شربت خمرا كثيرا في هذه الليلة لينتهى كل شىء… مع إعادة الزمن تجنبت أريكا شرب الخمر بالتأكيد ولكن العلاقة انتهت أيضا لسبب آخر تماما … وكأنه فيلم ألف مبروك تقدر تغير الدوائر الصغيرة لكن مش ممكن تقدر تغير الدوائر الكبيرة من القدر ..

أيضا هناك أخطاء لأريكا حدثت بسبب سذاجتها وفرط ثقتها بالآخرين كصاحبها في الجامعة الذي كان أول من تفقد عذريتها معه ولكنه صورها فيديو دون أن تعلم وعرض الفيلم على كل أصدقائهما .. تظل أريكا تندم كثيرا أنها وثقت في هذا الشاب لدرجة أنها تعاني من مشكلة ثقة في معظم الشباب الذين تقابلهم بعدها فما أن تجد أي بادرة كذب أو خداع، تهرب من العلاقة بدون حتى أن تسأل أو تعطي للآخر فرصة…وكل هذا لتتجنب ألم الخديعة التي تعرضت لها سابقا.. باعادة الزمن بالطبع لا تثق أريكا في نفس الشاب – ﻷنها تعلم ما سيحدث- وترفض الممارسة الحميمة معه ولكنه يقول لكل الناس أنه هو الذي تركها ﻷنها مصابة بمرض جنسي فتصير فضيحة ولكن بشكل مختلف ..

وهكذا تتوالى الحلقات وعندما تسأل أريكا المعالج النفسي هل يمكنها أن تعود لتحذر أخاها الحبيب من الحادث الذي سيؤدي لوفاته، ذلك التحذير التي تندم أريكا طويلا ﻷنها لم تقله بشكل كافي، يقول لها أن هذه الجلسات عنك أنتي وحدك.. لا تستطعين أن تغيري حياة غيرك ولا أن تمنعيهم من أخطائهم …

هذه المسلسل جعلني أفكر في شىء كتبته من حوالي أسبوع مشابه جدًا للحلقة الأولى من أريكا التي تشعر فيه أنها لم تحقق أى شىء مما كانت تظن أنها ستحققه في الثلاثينات .. البعض يقول عنها أنها أزمة منتصف العمر وسواء كنت حققت كل ما تظن أنك ستحققه في هذا الوقت أم لا ستظل الأزمة قائمة …ﻷنه بالتأكيد سيكون هناك شىء دائما ناقص عن الصورة الحالمة التي كنت ترسمها لنفسك.. وهنا تبدأ مراجعة نفسك واختياراتك .. وتشعر أنك لو كنت عملت كذا ما كان صار كذا ولو حدث كذا ما كنت انتهيت لكذا ..

ولكننا في الحياة الحقيقية لا نملك أن نعود للماضي لمحاولة تغييره كما فعلت أريكا، لذا ربما نحاول أن نعبشه مرة آخرى بشكل مختلف مثلا يبدأ البعض مننا في محاولة اصلاح أخطائه عن طريق أولاده فمثلا إذا كانت من أخطائه أنه وثق في شخض ما خدعه فيبدأ في غرس الحذر الشديد في أولاده .. البعض الآخر مننا يحاول أن يتجنب أخطائه بشكل آخر فمثلا إذا كان يشعر أن قضى شبابه في العمل بدون أن يستمتع به، ربما يبدأ أن يحاول أن يعيش مراهقا في سن الأربعين في محاولة لتعويض الزمن الذي فات من وجهة نظره، والبعض الآخر يكتئب قليلا أو كثيرا ولكن ربما تنتهى هذه الأزمة على سلام شىء من التصالح مع النفس..بمحاولة العودة للماضى تخيلا والرضا عن أخطائنا واختيارتنا وأقدرانا لتتوقف عملية جلد النفس المستمرة على أشياء كنا نود أن نفعلها أو لا نفعلها معتقدين أنها كانت لتغير من حاضرنا أي شىء …ولماذا نريد أصلا أن نغير حاضرا مهما كان يبدوأحيانا سيئا؟

ربما نحتاج لآلة زمن من نوع آخر تذهب بنا للمستقبل لنرى أنه لو أطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع وبالتالي نرضى عن الحاضر والماضي الذي صنعه.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s