أسوأ شعور مر علي في حياتي ليس الغربة وليس عدم استطاعة رؤية أهلي وليس عدم القدرة على العمل أو المذاكرة وليس الخوف من مرض أو عدو وليس كذلك الشعور بالظلم: أسوأ شعور مر بي هو عدم استطاعتي الصلاة …ليس لعذر شرعي ولكن لأني فعلا لا استطيع..
حاولت أن أقول ربما أني متعبة جسديا، فحاولت أن أصلي جالسة فلم أقدر..
حاولت قرابة شهر ..
كل يوم أقول سأصلي الفجر وانتظم ثم لا انتظم أو أقول سأصلي العشاء الآن وانتظم من الغد فلا انتظم…
كلنا يمر عليه فترات من الضيق وأوقات من الشك والأسئلة… ولكني كنت أتذكر قول محفظتي لي “وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين”، كنت مقتنعة أنه حتى مع الشك والأسئلة، المفروض الصلاة تستمر ولا تنقطع أبدًا .. ﻷنها عادة والانقطاع عنها لفترة طويلة يجعل من الصعب التعود عليها مرة آخرى، مما يكون حافز للنفس أن تميل ناحية الشكوك حتى تتخلص من أثم الواجب الثقيل على النفس …
لكن هذه المرة مختلفة..كان مخي يدور في كل مكان ممكن … وكان بداخلي خوف شديد أن أتغير تدريجيا وأنضم لقافلة الملحدين وقد سبقني إليها بعض من صديقاتي الاتي كن على دين وتقوي، ولكن هذا الخوف لم يدفعني للصلاة ..كأن هناك قوة تشدني بعيدا عنها…


والأغرب أن كل يوم كنت أمرض بشكل مختلف: هذا اليوم اسهال، هذا اليوم ترجيع، هذا اليوم حرارة، هذا اليوم انفلونزا، هذا اليوم تعب في ظهري… كل يوم مرض مختلف بلا أي سبب عضوي محدد … وكلما بعدت عن الصلاة كلما نسيتها وكلما لم أعد أتذكر أنه قد حان الوقت للصلاة أصلا…وكلما بعدت كلما كانت مخاطبة الله أصعب والدعاء أصعب وكل شىء في الدنيا صعب إن لم يكن مستحيل..
هناك أسباب أعرفها سببت كل هذه الكآبة ولست بصدد الحديث عنها الآن ﻷن كل شخص وله أسبابه وظروفه التي قد تدفعه لحالة مشابهة …
أن يشعر أنه على الحافة On the edge
وعندها قد يبدأ يتهم نفسه بالتقصير ويجلدها أملا أن تنصلح ولكنها لا تنصلح، فيجلدها أكثر فتعند أكثر، حتى يتعب من الجلد وتشعر أنه لا فائدة وعندها قد تسهل الكثير من المعاصي والكبائر حتى يستطيع الانسان أن يداوي هذا الألم بداخله..
لذا فالجلد ليس حلا سواء لنفسك أو لغيرك .. استحضار الموت وتخويف النفس بجهنم في هذه الحالة قد يدفع الانسان دفعا لهروب أكبر ..أنت ترموتر نفسك..شخصيا وجدت أن كل هذا لم يفيدني بل جعلني تعيسة أكثر…
تكلمت مع صديقاتي المقربات كلهن كن من العقل والحكمة ..لم يعنفني أحد…ما زلت أتذكر أحدهن وهي تقول لي تذكري فقط أن ربنا رحمن رحيم وأننا بنصلي وبنعبده بمشيئته مش بمشيئتنا أحنا.. يمكن عشان بعد كده لا يصيبنا الغرور بطاعتنا أو صلاحنا ونعرف أن كل هذا قد ينزع في ثانية ..
ربنا رحيم..عارف أني بأحاول وأني مش قادرة ..عذر بأسكت به نفسي ولا بجد..مش عارفة ..
من بعيد كنت بأشوف نفسي وأنا عندي 12 سنة
وأنا باعود نفسي على الصلاة بعد ما مدرسة الفصل كلمتنا عليها..
وأنا بأظبط المنبه لكل صلاة عشان صوت الأذان مش بيوصل للبيت..
لحد ما في يوم خلاص معدتش للمنبه لازمة ..وبقيت بأصلي لوحدي..
من بعيد كنت بأفكر أول مرة رحت أصلى تراويح وأنا في أولى جامعة..
ركبت ميكروباص جيزة ورحت مسجد الاستقامة وقلت أشوف إيه التراويح دي ..
من بعيد كنت بأفتكر أيام اعتكاف وأيام قيام وأيام حفظ قران..
من بعيد كنت بأفتكر راحة نفسية بعد دعاء تعرف أنه سيستجاب ثم سعادة بعدما يستجاب …
وبرضه من بعيد كنت بأفتكر مناقشات ومجادلات في الله والاسلام وفي الفتنة بين معاوية وعلي وفي الفتنة في عصرنا الحالي …
كل هولاء يقتلون باسم الله؟! وكلهم يدعي أن قتيله شهيد والآخر ارهابي …
اكتئاب ما بعد الكرب؟! ولكن الكرب مستمر منذ 4 سنوات لم ينتهي ويبدو أنه لن ينتهي قريبا…
كيف أعود للأيام الأولى؟ عندما كانت هناك حقيقة واحدة ..وصح واحد …كان كل شىء سهل ..نعرف أن هذا فرض أو سنة نقوم به..نعرف أن هذا حرام نمتنع عنه ..لم تكن هناك مشكلة إرادة ولكن مشكلة معرفة ..
الآن عندنا كل المعارف ولا توجد إرادة أو ربما قد ران على قلوبنا ما كنا نكسب من المعاصي والذنوب… لم نعد أبرياء ببساطة..لم نعد سذج لنخدع بحلاوة كلام هذا الشيخ وفصاحة هذا الداعية..هو أمر جيد ولكنه أثر على روحايتنا أيضا ﻷن العقل صار يفكر ربما أكثر من اللازم..

ثم ماذا حدث؟
جاءت نقطة نور .. فضفضت مع أحدهم ثم بكاء طويل وانهيار ثم وضوء ثم قراءة في كتاب الله…وفجأة شىء أنار بداخلي من جديد
وبدأت أصلي والحمد لله… في البداية كان صعبا ولكن بمرور الوقت صار أسهل خاصة مع محاولة الصلاة جماعة ما أمكن (ﻷن الجماعة تخفف من الاحساس بالعزلة كثيرا)
ثم بعد أسبوع احساس بسلام نفسي وكأن كان حاجة رجعت مكانها في هدوء ولم أعد أمرض جسديا والحمد لله…

كيف؟ لم أفعل شىء …ولم يفعل من تكلمت معهم الكثير …
كيف انتهى كل هذا العذاب؟
ليس كل شىء في الدنيا له سبب علمي وخطوات تمشي عليها فتصل لمبغاك ..
قول أنا هأقدر وأنت تقدر (بأكره التنمية البشرية بجد)
الحقيقة أن هناك روحانيات لا تدرك بالعقل ..هناك رحمة الله وإرادته التي تقول للشىء كن فيكون… هناك أمل فيه وليس فينا ..نحن أضعف من أن نوكل أمرنا ﻷنفسنا ..

فيا صديقتي التي تغبطني على يقيني بالله وتشعرين بالضيق ﻷنك لا تستطيعين الصلاة وتتمنين لو تكوني مثلي: لقد كتبت إليكي هذا المقال لتعلمي أنني شخصيا كنت مثلك وربما أكثر ..وأن الإيمان يزيد وينقص وأننا كلنا في حاجة للدعاء أن يثبتنا الله على الحق فليس لنا من الأمر شىء…وأعلمي أيضا أن ما تمرين به ليست النهاية بل ربما تكون البداية أو تجديد للبداية…

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

One response »

  1. Ramzy Shrayyef قال:

    ماشاء الله عليكي .. الكلام اللي من زمان بستناه

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s