ونحن على أعتاب العشر الأواخر من رمضان، يشعر الكثيرون -ولا استثني نفسي – بنوع من الخواء وافتقاد لمتعة الصيام والقيام والقرآن والتي ربما كنا تذوقناها من قبل في رمضانات سابقة. بل أن البعض ممن يشق عليهم الصيام (لطول الساعات أو الحر) يشعر أنه يريد لرمضان أن يمضي سريعا وإذا أفطرت أحداهن بعذر شرعي ربما تشعر بالراحة التي يعقبها تأنيب ضمير ﻷنه من المفترض أن نستمتع برمضان ولا نريد له أن يمضي ولكن هذه المتعة لحد ما مفقودة فأصبحت العبادة تكاليف شاقة تؤدى لاسقاط الفرض كما يقولون. فما الذي يحدث؟ ولماذا تغيرنا؟ هل فقط هي المعاصي -كما يقول بعض الدعاة- والتي طمست على قلوبنا أم أن هناك أسباب آخرى؟

أولا: الأحداث السياسة والمصائب والحروب الأهلية التي تجتاح منطقتنا والعنف والدماء والظلم، ما بين الفعل ورد الفعل، ما بين مناقشات ومجادلات، ما بين غصة قلب وربما يأس وسخط، ما بين كل هذا تعبت نفوسنا وأرهقت، ربما ضاع بداخلها معالم الطريق. الكثير مننا يعاني من اكتئاب ما بعد الكرب ومن آثار الرعب والقلق المتنامي الذي بدأ مع ثورات الربيع العربي وما زال مستمرًا. احساس أن كرة الثلج تحركت لتدمر كل شىء ولا يعلم أحد متى ستتوقف وكيف. هذا الانهاك النفسي كفيل بالقضاء على أي فرحة أو متعة.

ثانيًا: الأسئلة والشكوك التي أصبحت تجتاحنا كلما كبرنا في السن وقرأنا أكثر وتعرضنا لمحن تجعلنا نفكر في كل شىء (مثلا قالت لى أحداهن كل هولاء يقتلون بعضهم البعض باسم الدين لابد أن يكون هناك شىء غلط في الدين). هذه الاسئلة والشكوك يتعامل معها بعض الدعاة بسطحية لا ترقى لجدال عيل في ثانوي مما يزيد الطين بلة وربما يفتن الناس أكثر. لذلك الكثيرون منا -وخاصة من اتسعت معارفهم- توقفوا عن الاستماع لمعظم الدعاة ورجال الدين الحاليين وآثروا أن يقرأوا ويبحثوا عن الحقيقة بأنفسهم. وهذه رحلة قد تكون متعبة ومرهقة فكريا ونفسيا..وتجعل الفرد منا يلف ويدور حول نفسه كما يقولون.لذلك ربما لم نعد نبكي أو نتأثر عند الاستماع للرقائق، ﻷن العقل أصبح يسأل كثيرا ويفتش في كل شىء يسمعه ولا يمكن أن يطمئن القلب والعقل مضطرب.

ثالثًا: الاعتياد وهذا شىء غير متعلق بأي حدث خارجي ولكنه متعلق بنا نحن كأفراد. ولنضرب مثالا ولله المثل الأعلى: في أول مراحل الحب وشهر العسل، تجتاح الانسان عاطفة الحب ويكون هناك احساس بلذة أول مرة في كل شىء يفعله مع حبيبه، بعد هذا يحدث الاعتياد وتتحول معظم الأشياء لروتينات وتكون هناك الكثير من المسئوليات والخلافات الخ الخ الخ ويكون من الصعب جدًا الوصول لنفس الشعور الأول إلا على فترات متباعدة. ربما (وأقول ربما) يحدث لنا شيئا كهذا في علاقتنا مع الله، عندما كنا في العشرينات كانت هناك لذة الاحساس بالقرب من الله، أن تسمع حديثا أو آية ﻷول مرة وتنفذه وتستشعر حلاوة الايمان..أول صيام بجد مثلا، أول تراويح، أول عمرة، أول خاتمة، الخ الخ الخ. الآن ربما تحولت العبادة لعادة فلم يعد لها نفس اللذة الأولى مما قد يدفع البعض للتوقف عن العبادة ﻷنهم يتوقعون شيئا لا يجدونه (كمثال: من تغضب من زوجها ﻷنه لم يعد يقول لها كلمات رومانسية مثل الخطوبة). فربما كنا نتوقع مثلا خشوعا أو حضورا للقلب أو بكاءا وعندما لا نجد هذا، نتهم أنفسنا بأننا لم نعد جيدين بما يكفي، وبعد بعض المحاولات نتوقف ﻷننا لا نصل لما نتوقعه أبدًا.
فهنا المشكلة في التوقعات المبنية على خبرات سابقة أو مستنبطة من كلام نسمعه من غيرنا عن التابعين والأولياء، في حين أن لكل مرحلة حلاوتها كما يقولون. ربما كانت للمرحلة الحالية متعة مختلفة، ربما كانت مرحلة العطاء مثلا التي نساعد فيها غيرنا أو مرحلة التفكير التي نتدبر فيها ونتساءل فيها. لا يعني هذا أن نتوقف عن العبادة بل يعني أن تختلف توقعاتنا منها باختلاف المرحلة (فمثلا بدلا أن نتوقع البكاء في الصلاة، قد نتوقع السلام النفسي الذي يعينا على التدبر أو العطاء).

وربما كانت هناك أسباب آخرى بالطبع ولكن بتأمل هذه الأسباب الثلاثة المشار إليها (تدهور الحالة السياسية، الشكوك والأسئلة، الاعتياد واختلاف طبيعة المرحلة) نجد أن معظم ما نشكو منه من غياب المتعة أو قلة العبادة ربما يكون طبيعيًا واتهام النفس بالدونية وتأنبيها وشكواها وشكوى زماننا لن يزيد الأمر إلا سوءًا. الأفضل هو فهم ما نحن فيه وقبول الواقع ثم محاولة تجديد العهد مع الله في الأيام الباقية من رمضان والاجتهاد قدر المستطاع.

اللهم أنك عفو تحب العفو فأعفو عنا.

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. سوار كتب:

    كلام في الصميم و صراحة أحسست بالشيء نفسه ، وخاصة مسألة الظروف السياسية و الشكوك و سذاجة بعض الدعاة في الرد عليها …أنا شخصيا توقفت عن الإستماع لهم منذ عهد بعيد ..قراءة كتاب أفضل لي…

    إن كان للربيع العربي ايجابيات فهو حتما سقوط الأقنعة عن الجميع …دعاة فنانين مثقفين …و مع الأسف اغلبهم طلعوا (كما تقولون في مصر ) فشنك …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s