فراقك فراق من نوع عجيب، يشبه فراق الموت ﻷنك لم تبتعدي عني فقط بل اخترتي البعد عن كل من عرفوكي، وفي نفس الوقت هو ليس بموت ﻷنك ما زلتي حية. ما زلت تحيين في نفس البلدة، في نفس المقاطعة، في نفس المدينة، لم تسافري..ولم نسافر..لم يمنعك عنا مرض أو مشاغل الحياة ولم يمنعنا عنك شىء.

ولكنك اخترتي البعد، اخترتي أن تتغيري..اخترتي أن يكون لك أحباب آخرين يشبهونك في ثوبك الجديد.. واخترتي أن تهجري كل من يذكرك بثوبك القديم..
حاولت امتصاص الصدمة، حاولت كثيرًا أن أتقبل اختيارك.. ألا ألومك على حقك في الاختيار..حاولت أن أكون معك بشعرة معاوية ..ولكن رغم كل شىء أتت النهاية..
يبدو أننا أصبحنا في عالمين مختلفين، أي محاولة للاتصال بينهما غير مجدية إن لم تكن مضرة لكلينا…

تعلمين، لقد كذبت عليك..كذبت عندما قلت أني سعيدة من أجلك وأني أتمنى أن تجدي نفسك في ثوبك الجديد.. لا أنكر عليك حق الاختيار، ولكني لست سعيدة..أني غاضبة وغاضبة جدًا.. غاضبة ﻷننا فقدناكي ..آسفة على أيام حلوة قضيناها معًا وانتهت بلا رجعة.. في كل تجمع، أجد عيني تبحث عنك وهي تعلم أنك لست هنا ولن تكوني، ثم تصطدم عيني بعين صديق آخر أعلم أنه يبحث عنك.. يدور حوار وهمي أو حقيقي بيننا: هل رأيتها قريبًا؟ هل هي بخير؟ هل يمكن أن تعود يومًا؟

ترتفع الأعين إلى السماء طلبًا في معجزة تعديك لنا.. ثم نشيح بوجهوهنا لنداري دموعنا.. دموعنا التي ترثي صديقة اختارت أن تموت بداخلنا وهي على قيد الحياة.. ثم تبدأ فقرة لوم النفس، ربما لو كنا قلنا كذا أو لم نقل كذا..ربما لم كنا فعلنا كذا أو لم نفعل كذا.. ربما أخطأنا في كذا..ربما ..ربما ..ربما..ألف ربما..

لا أعلم إلى متى سنظل نوجه غضبنا إلى أنفسنا؟ إلى متى ستظل سياط اللوم والعتاب تلهب ظهورنا؟ متى نتوقف لندرك أن ما حدث كان ليحدث مهما قلنا ومهما فعلنا ..ﻷنه اختيارك أنت.. لقد أردت ذلك من داخلك، وسواء كان من وجهة نظرنا اختيارًا خاطئًا أو صحيحًا..ولكنه اختيارك، ربما تكون ساهمت فيه عوامل آخرى..ولكنه في النهاية اختيارك أنت.. اختيارك أن تكوني من تردين وأن تبعدي عمن تشاءين..أنت انسانة حرة عاقلة رشيدة، واخترتي كل هذا بارادتك أنت وحدك.. فلا لوم عليك ولا علينا..فقط يبقى الأسى والحنين لصديق لم يعد له وجود.

دينا سعيد
19 أبريل 2015

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. جهاد كتب:

    قام بإعادة تدوين هذه على مُحلّى بالمِلح وأضاف التعليق:
    “فقط يبقى الأسى والحنين لصديق لم يعد له وجود.”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s