غالبًا لا يشعر الانسان بمقدار ألم غيره عندما يتعرض لمصاب ألا لو كان تعرض لمصاب مثله أو شاهد عزيز له يتعرض لهذا المصاب.. المعايشة تجعلك تفهم، تحس، تتوجع.. ثم يخرج من قلب الألم رغبة في أن تجنب غيرك هذه الآلآم أو على الأقل تخفف عنهم.

فمثلا كثير ممن يُتوفى لهم عزيز ينشئون مشاريع خيرية باسمهم، فكما يعرف البعض أول دار أيتام لرسالة كانت أرضها تبرع من رجل فاضل توفى ابنه الشاب وقد كان يجهز هذه الأرض ليبني عليها بيت لابنه، فتحولت لدار أيتام ومصلى ومنها انطلقت جمعية رسالة. والآن مستشفى بهية لسرطان السيدات جاءت أرضها تبرع من أولاد سيدة فاضلة ماتت بالسرطان فوهبوا منزلها ليكون مستشفى سرطان ليخففوا عن آخريات ما عانته والدتهم..وكما يعرف الكثيرين فإن دافع دكتور مصطفى السيد الأول لاجراء تجارب علاج السرطان بالذهب كان وفاة زوجته بالسرطان.

أحيانا عندما نتعرض للألم أو يتعرض أحباؤنا له، نشعر بأنه ليس عدلا وربما نسخط على قضاء الله ولكن هل نتخيل أن هذا الألم ربما يكون طاقة -ولو بعد سنوات- لتخفيف آلام الغير. .فمثلا منذ فترة بسيطة توفى شاب قريب صديقة لي في كندا فقامت أسرته بحملة تبرع عن طريق الاغاثة الاسلامية وأنشأوا 7 آبار مياه في منطقة في أفريقيا تعاني من تلوث المياه وذلك لتكون صدقة جارية له. نعم تألمت أسرة صديقتي لوفاة ابنهم وأولاده الصغار سيعانون من اليتم وهو أمر محزن حقًا، ولكن تخيل فرحة كل طفل سيشرب مياه نظيفة من الآبار التي أنشأتها أسرته على بعد آلاف الأميال. ربما بدون هذا الألم لم يكن ليتولد دافع كافي للقيام بكل هذه الأعمال الخيرية..أليس كذلك؟

بالأمس شاهدت كلمة لمونيكا لوينسكي في تيد بفانكوفر، تتحدث فيه عما عانته منذ عشرين سنة في تجربتها مع بيل كلينتون وكيف عاشت هي وأسرتها أيام مريرة بعدما انتشرت الفضيحة لدرجة أنه كانوا يخافون عليها يوميًا من الانتحار.. كانت تتحدث بوجع وتعترف أنها أخطأت ولكنها دفعت ثمن هذا الخطأ غاليًا من سمعتها وكرامتها عندما أصبحت صورها وقصصها مادة للتندر والنميمة، والآن كل هذا الألم الذي عاشته يتحول لطاقة لمساعدة ضحايا الBullying .. وقد كانت كلمتها بحق من أفضل ما سمعته في هذا الشأن، ربما ﻷنها صادرة من ألم حقيقي.

شخصيا عاصرت تجربة لصديقة تعرضت للabusing من زوجها، قبل هذه التجربة كنت ألوم بسذاجة وجهل على المرأة التي تستلم لرجل يهينها ويمرمرط كرامتها، ولكن عندما عاصرت القصة مع صديقتي فهمت كيف يتمكن البعض من أن يمحي ثقة الانسان بنفسه ويلعب على كل نقاط ضعفه ليتقبل شيئا كهذا…والآن عندما تكلمني بعض السيدات تعرضن للabusing استطيع أن أساعدهم وأن أجد بداخلي الطاقة لأخفف عنهم، ربما ﻷني أرى صديقتي في كل منهن. نعم تألمت صديقتي وأسرتها وتألمت لها، ولكن كل هذه الآلآم ربما كانت إعداد رباني لتخفيف آلام آخرين، أو محاولة تجنبيهم هذه الآلآم بزيادة وعيهم.

الأمثلة لا تعد ولا تحصى على أمور مشابهة سواء في حياتي أو حياة من أعرفهم مما يجعلني أفكر أن الألم جندي من جند الله، يسخره لينقينا، لنكون أكثر انسانية ورحمة، ليكون هناك أخيار لديهم ما يكفي من الطاقة لمقاومة الشر فلا تتحول الدنيا لغابة حقيقية.

أثق أن لدى كل منكم قصص مشابهة لألم تحول لرحمة، ربما يمكنكم أن تشاركوها معي ومع القراء في تعليق..فربما كانت صبرًا لأحدهم أو الهاما لآخر.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s