كانت أول مرة أسمع بهذه الكلمة في فيلم قديم لفؤاد المهندس..ما زلت أتذكر رجلين يتشاجران طوال الفيلم ما إذا كان المريض مصابا بشيزوفيرنا أم بارنويا، كنت صغيرة لأفهم معنى الكلمة، ربما اعتقدت وقتها أنه مرض جسدي كالانفلونزا..

بعدها رأيت بعض أفلام هنا وهناك منهم بئر الحرمان لسعاد حسني.. وبالقراءة عرفت أن ما تصوره الأفلام ليس هو الفصام أو الشيزوفيرنيا، ربما أقرب الأفلام للحقيقة هو فيلم beautiful mind والذي أبدع في تصوير حياة العالم جون ناتش الحائز على جائزة نوبل، وكيف أنه كان يعاني طوال عمره من هلاوس وضلالات فكرية، جعلته يتخيل زميلا له في الغرفة ليس له وجود ويتوهم أن المخابرات الروسية تطارده، وبعد كثير من المعاناة بدأ يستوعب مرضه ويفهم بذكائه أن الفتاة الصغيرة التي يراها من وحي خياله لأنها لا تكبر في السن أبدًا، وهو مشهد يقترب من إدارك “أحمد حلمي” في “آسف على الازعاج” لمرضه عندما تصفح الصور التي التقطتها لمنة شلبي ووجدها خالية تماما..

شيزوفيرنا…يعتبره الكثيرون خطًا فاصلا بين العبقرية والجنون، فكثير من الفنانين والمبدعين والكتاب يتخيلون أشياءًا ويكتبون ويرسمون ويؤلفون موسيقى من وحي الخيال.. وما لا يجعلهم مرضى أنهم يدركون أن هذا خيالا يحلقون فيه لساعات أو أيام، ولكن المرضى لا يدركون ذلك..لا يعرفون الفرق بين الواقع والخيال..يرون أشياءًا ويسمعون أصواتا ويشمون روائح يحسبونها حقيقة واقعة، وعندما يفهمون أنهم مرضى تصبح كل مشكلتهم أنهم لا يثقون فيعقولهم، فحتى الحقائق لا يعرفون إذا كانت حقائق ام تصورات وأوهام..

الناس أعداء ما يجهلون، والمرض العقلي من الأشياء التي يجهلها معظم الناس.. لأنه ببساطة صعب تصور أمر لم تختبره ولو بشكل أقل حدة. كمثال ربما لا تكون أصبت بالسرطان من قبل، ولكنك تستطيع أن تتخيل آلام مريض السرطان الجسدية، ربما يصورها عقلك أنها تفوق بكثير آلام كسر الرجل أو الولادة فتستطيع أن تحس بما يمر به مريض السرطان.. ولكن كيف لك أن تفهم معاناة المريض العقلي والنفسي، إذا لم تكن مررت به من قبل؟

في ورشة عمل أعطوا لنا تمرينا يجعلنا نقترب قليلا من الأمر.. كل اثنين جلسا ليتحدثا حديثا وديا عاديا، في حين تولى شخص ثالث الوسوسة في أذن أحدهما بكلام من قبيل “هذه المرأة تكرهك وتريد أن تقتلك، هناك سكين معها، احذري”.. حسنًا، أنا أرى الشخص الذي يوسوس لي وأعلم يقينا أن هذا تمثيل، ولكن رغم هذا جزء مني اضطرب لكلامه، رغما عني تغيرت ملامحي الودودة تجاه المراة وحل معها ملامح ريبة وشك..كانت تسألني سؤالا فلا استطيع أن ارد عليها بتركيز بسبب الوسوسة التي أعلم أنها تمثيل..فما بالك بالمريض الذي يسمع مثل هذه الأصوات في أذنه وربما لا يدرك أنها خيالات وضلالات..

معظمنا انهار يعد هذا التمرين، البعض منا كان له أقراب أو أصدقاء مصابين بالشيزوفيرونيا ولكنه لم يشعر قط بمعاناتهم، البعض منا كان قاسيا عليهم، اعتقد أنهم يكذبون أو يبالغون، أنهم يمكنهم ببساطة السيطرة على ضلالاتهم ومواصلة حياتهم، وكأنك تطلب ممن كسرت رجله أن يركض عليها وتتهمه بالكذب إذا لم يستطع الركض؟ وربما البعض منا كان فقط خائفا منهم، فالناس أعداء لما يجهلون. ولكن على قدر قسوة التمرين، ألا أنه كان مفيدًا لنقدر ولو قليلا معاناة الآخرين.. والأهم أن نشعر بنعمة العقل.

ربما كان مفيدًا لنا من وقت لآخر أن نقوم بتمارين مثل هذه.. نغمي أعيننا ونعيش قليلا معاناة الكفيف، نحاول أن نستعمل يدًا واحدة، نمنع أنفسنا من الكلام ولو لساعة، نتخيل حياتنا بدون أهل أو بدون تعليم أو بدون مياه أو كهرباء، نضع أوزانا ثقيلة على بطوننا ونتحرك بها قليلا (سيكون تمرينا رائعا للزوج ليشعر بزوجته الحامل).. هل ترانا بعدها نشتكي أو ننظر لما ينقصنا؟ هل ترانا نقسو على بعضنا البعض؟ كل المطلوب أن نحس أن نفهم أن نتعاطف، وعندها قد يتغير كل شىء..

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

One response »

  1. Mahmoud Shaala قال:

    الحمد لله علي نعمة العقل …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s