تعودت أن أسرح في وجوه المارة، هذا عينيه تشبه عيني أخي وهذا له قوام أبي وهذه تحمل حقيبة تشبه حقيبة أمي وهذا الطفلة ابتسامتها تشبه ابتسامة أختي وهي صغيرة. لا أعلم إذا ما كان الحنين يجعل عقلي يصتنع أوجه شبه لا وجود لها كما يحلو لأمي أن تتخيل أن ابنة أخي التي ولدت العام الماضي نسخة مني..هي تشبه أخي (أباها) أكثر مني ولكن أمي دائما ما تقول انها شبهي وكأنها تجد فيها عوضا عن غيابي.

يقول مريد البرغوثي أن الانسان يصاب بالغربة كما يصاب بالربو والاثنان لا شفاء منهما. وهذا صحيح لحد كبير وربما وفرت التكنولوجيا مسكنات للغربة كواتس أب والفيس بوك، ولكن أحيانا تشعر أن هذه الاختراعات زادت الأمر سوءا فبدلا من أن تعكف ليل نهار على عملك أو مذاكرتك ثم ترتمي على الأريكة أمام التلفاز كما هو في الجيل السابق لنا، الان نحن نعيش في أوطاننا على مدار الساعة مع كل خبر سيىء أو مفرح، مع كل مناقشة أو خلاف، وكأن هناك جرح بداخلك مكشوف طوال الوقت هناك من يعبث به لتظل موجوعا.. لا أنت قادر على تغطية الجرح والتظاهر بعدم وجوده بفصل نغسك عن وطنك ولا قادر على علاجه بالرجوع هناك.. فتظل متحملا نزيفا ووجعا مستمرا.

في الغربة لا أحد يشبهنا وفي أوطاننا أيضا لم يعد يوجد من يشبهنا، حتى أهلنا ليسوا يشبهوهننا كالسابق، فقد تغيرنا وتغيروا ويبدو أن التكنولوجيا غير قادرة على أن تجعلنا نتغير في نفس الاتجاه. هل هذا شىء جيد أم سيىء؟ لا أعرف .. ولكن أكثر ما هو متعب أن تتغير المسلمات، أن تتعامل مع أناس بافتراض كذا وكذا فتفاجأ أن هذ الفرض البديهي غير موجود أصلا… عندها تصعقك الغربة وكأنك تكتشف فجأة أنك وأفكارك وعالمك غير موجودين بالمرة..أتتذكر صدمة نيكول كدمان عندما تكتشفت أنها هي وأولادها أشباح وأن سكان المنزل هم الأحياء وليس العكس؟ أحيانا أخاف أن أصل لهذا الاكتشاف، أن تنقلب كل الحقائق فجأة واكتشف أن ما أنا فيه هو الوهم.

في السنوات الأولى للغربة كنت كثيرا ما تراودني رغبة أن أحزم حقائبي وأسافر وأترك كل شىء وليكن ما يكون.. الان لم أعد أفكر بهذا في عقلي الواعي ولكني كثيرا ما أحلم أني أحزم حقائبي وأحيانا تكون معي أختي او أمي أو أبي..اظل أضع طوال الحلم كل أشيائي..تفاصيل التفاصيل حتى شرابتي أضعهم في كيس بلاستيك واحدا واحدا.. ثم عادة ما ينتهي الحلم بعدم لحاقي بالطائرة أو الأتوبيس أو القطار..حلم متكرر يقولون أنه يعني أني أشعر بالقلق.. فمم أقلق؟ هل أخاف ألا أتمكن يوما من العودة؟ أو أن أعود ولا استطيع الرجوع لكندا؟

دينا سعيد
في الذكرى السادسة لرحيلي الأول من مصر

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s