معظمنا يتذكر هذا المشهد العبقري في فيلم “غزل البنات”، عندما اعتقد نجيب الريحاني أن الخادم هو الباشا فأنحنى له وأخذ يبجله ويحترمه فما لبث أن جاء الباشا الحقيقي في ثياب الزراعة فأخذ يقرعه ويوبخه على أساس أنه خادم، وطبعا كاد أن يفقد وظيفته المنتظرة وربما حياته…

هذا المشهد الذي طالما ضحكنا عليه، كثيرا ما يحدث في حياتنا. نعم فكم مرة أعطينا أولولية واجلالا واحتراما لأشياء أو أشخاص لا يستحقون هذه المنزلة وفي المقابل تعاملنا بمنتهى القسوة وقلة الذوق مع أشخاص كان من الأولى لنا أن نضعهم فوق رؤسنا..

كم من مرة مثلا ذهبنا لصديق أو لمشاهدة فيلم أو ماتش في مقابل ادارة ظهورنا لآبائنا وأمهاتنا الذين لو كانوا أهملونا ساعة ونحن صغار لكنا في خبر كان…لقد أخطأ نجيب الريحاني مرتين، مرة عندما احترم أحدهم وذل نفسه أمامه بدون أن يتأكد أنه الباشا والمرة الثانية عندما أهان من اعتقد أنه خادم، فحتى لو كان خادما ما كان يجب أن يتحدث معه هكذا.. وهذا هو ما نفعله معظم الأحيان، نذل أنفسنا ونعطي أوقاتنا لأشخاص وأشياء تستهوينا بمنظرها الخادع فنعاملها معاملة الباشا وفي نفس الوقت نتعامل باستخفاف مع أشياء ثمينة ولكن ربما ليست بارقة كغيرها.. كما قال “أحمد حلمي” في فيلم “ألف مبروك” أنه كان يراهن على الأسهم الخطأ طوال عمره ..وفقط عندما عاش أسطورة سيزيف وتكرر اليوم الذي يموت فيه عشرات المرات، فهم أن أسرته هي الأسهم الحقيقة وضحى بحياته من أجلهم عن طيب خاطر..

انظر مثلا كيف نتعامل مع ملك الملوك “الله” وكيف نتعامل مع عبيده؟ ربما ننفق أوقاتنا وجهدنا من أجل إثارة إعجاب زوج أو مدير أو حبيب.. من أجل أن نرى نظرة رضا في أعينهم، وأحيانا نعصي الله أو حتى نقصر في عبادته لأن أولى أولياتنا تصبح ارضاء الشخص الآخر ..وكأننا -وحاشا لله- نتعامل مع هولاء الأشخاص بنفس تعامل نجيب الريحاني مع الخادم في الفيلم، في حين أن أولى بهذه المعاملة ملك الملوك.. لا يقل أحد أننا يجب علينا أن نحتقر العباد..فنحن إذا ذهبنا لزيارة ملك في قصره، نحيي الخادم ونشكره ولكننا نعلم يقينا أن هذا ليس نهاية المطاف وأن هذا الشخص ليس هو المطلوب مننا أن نثير إعجابه ونحوذ رضاه، لذا لا نقضي معه كل وقتنا وجهدنا…ونوفر هذا للقاء الملك.

إني أكاد أجزم أن كل مننا يشعر بالذعر وعدم الأمان من شىء ما..هناك من تخاف أن يخونها زوجها وهناك من يخاف ألا يرتقى في وظيفته أو أن يستغنوا عنه وهناك من يخاف ألا ينجح مشروعه أو يفشل في دراسته..بل هناك منا من يخاف مجرد نظرة احتقار من شخص عابر، فربما يبالغ في مظهره وثيابه حتى يضعه الناس في مكانه عالية.. هذا القلق من المجهول وعدم الأمان الذي نحاول التغلب عليه بكسب إعجاب الناس وحبهم أو ربما بالبعد عنهم تماما حتى لا نحتاج منهم لشىء..هذا القلق الذي يسبب الكثير من الخلافات الزوجية وصراعات العمل ويدفع الكثير من الناس لذل أنفسهم أو فعل أشياء لا يرغبون بفعلها، كل هذا القلق والتوتر يحدث فقط لأننا نحاول أن نستميل الخدم (الناس) وننسى رب الناس.

أحاول أن أتتخيل كم ستكون حياتنا أفضل لو فقط فكرنا في كل عمل نقوم به أننا نحاول أن ننال نرضى الله به، أن نريه من أنفسنا خيرا..قبل أن نشرع في العمل، نقول لله سأحاول أن أبذل كل طاقتي لأقوم به على أكمل وجه، لعلك ترضى.. لا نرى المشرف ولا المدير ولا الأصدقاء ولا أي انسان.. لا نرى هولاء البشر الذين يقيمون أعمالنا، نراه هو فقط. هل سنعصاه وقتها ونحن نبغي رضاه؟ ألن يكون محاولتنا رضاه دافعا أقوى بكثير من محاولة ارضاء البشر مهما كنا نحبهم؟ ثم أننا في النهاية سنحصل على رضاهم أيضا، لأننا على يقين أنه من أرضى الله في سخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه من أسخطهم في سبيله..فيقينا سنحصل على رضى هولاء الناس عندما يرضى ملك الناس..هل سبق أن رأيت خادمًا يخالف ارادة ملكًا فيسخط أو يعذب من أمر الملك باحترامه وإجلاله؟

مستوحى من كتاب
reclaim your heart

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s