لماذا تبدو هذه الحياة غير عادلة؟
لماذا تحدث الأشياء الجيدة للناس السيئيين والأشياء السيئة للناس الجيدين؟
لماذا يتعذب طفل صغير بالسرطان مثلا؟
لماذا تسيل الدماء هنا وهناك؟ ويقتل آلاف الأبرياء؟

لست أول انسان يسأل هذه الأسئلة…سألها الملايين قبلك على مر العصور وبعضهم توصل أنه بما أنه يبدو أنه لا يوجد عدل في هذه الحياة فإنه لا يوجد إله، حتى تجد على لسان كثير من الغير المؤمنين عبارة
Life is not fair, you have to get used to it

ولكن هناك وجهة نظر آخرى قائمة على أن الحياة ستبدو عادلة تماما إذا ما أعاد الإنسان تعريفه لما هو جيد وما هو سيىء.

ولتوضيح هذا دعني أسألك سؤال:
هل زيادة وزن بنت اسمها رانيا 10 كجم يعد شىء جيد أم سيىء؟
ستقول لي يتوقف على ما تريده رانيا ، فمثلا لو كان وزنها 50 كجم وهي تريد هذه الزيادة فستعتبرها شىء جيد جدًا في حين لو كان وزنها 90 كجم فقد تعتبر هذه الزيادة شىء سيىء للغاية.

إذن فالجيد والسيىء هي أشياء نسبية تتوقف على هدف الإنسان نفسه وعلى مقدار اقترابه أو ابتعاده عن تحقيق هذا الهدف.

ستقول لي نعم فالجيد ما يجعلك سعيدًا والسيىء ما يجعلك تعيسًا…إذن لو كانت رانيا سعيدة بهذا الزيادة فسأعتبرها شيىء جيد وإذا كانت تعيسة فسأعتبرها شيىء سيىء..

ولكن ماذا لو كانت رانيا لا تعلم هدفها أصلا؟ ماذا لو كانت هناك أمور غائبة عنها؟ كمثال بسيط نفرض أن زيادة وزنها جعلتها تعيسة لأنها أصلا بدينة ولكن هذه الزيادة كانت الحافز لتفقد ليس فقط هذه ال10 كيلو بل 20 آخرين حيث جعلتها مثلا تقرأ أكثر عن الطرق الصحية لانقاص الوزن وتشترك في جيم رياضى الخ الخ الخ.. الآن بعد سنة، قد تعتبر رانيا هذه الزيادة أفضل شىء حدث لها في حياتها حتى لو كانت تعيسة بها في البداية..

إذن فلكي نحدد ما هو الجيد وما هو السيىء علينا:
1) أن نحدد هدفنا
2) أن نعلم الغيب بمعنى تأثير هذا الأمر على المدى الطويل على هدفنا

ولكن دعني أتساءل السؤال الذي قتل بحثًا وهو ما هو هدفنا في الحياة؟
بالطبع لكل منا أهداف مختلفة ولكن ما هو الهدف الأوحد الذي لابد أن تصب في النهاية كل هذه الأهداف؟ هل هي السعادة؟ هل هي المتعة؟
كما يقول غير المؤمنين
Y’LOO” You live only once,”
فاستمتع على قدر ما تستطيع.

القرآن يخبرنا ان الهدف من وجودنا في الحياة هو عبادة الله “وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون”، وصيغة الاستثناء هنا قوية جدًا بحيث تنفي اي هدف آخر سوى أن نتقرب إلى الله ونعرفه ونعبده. وعلى هذا الأساس يكون هدفنا النهائي هو القرب من الله. وبذلك أي شىء يقربنا من الله سيعد شيئا جيدًا وأي شىء سيبعدنا عن الله سيعد شيئا سيئا.

فمثلا وفاة ابن أحدهم قد يقربه جدًا من الله إذا صبر واحتسب وسوف يجزيه الله خير في الآخرة ببيت اسمه الحمد، ولكن بالنسبة لشخص آخر وفاة ابنه قد تجعله يكفر بالله. فهل وفاة الابن شىء جيد أو سيىء في المطلق؟ هي مصيبة لا شك والرسول صلى الله عليه وسلم حزن لوفاة ابنه ولكننا هنا نتحدث عن تقييم الحياة بأنها عادلة أم لا، بناء على تصنيفنا الساذج للأشياء. عودة إلى رانيا التي فقدت 30 كجم من وزنها وأصبح وزنها مثالي، هل هذا شىء جيد أم لا؟ يتوقف على كون هذا الأمر سيجعلها أقرب أم أبعد من الله،

هل طلاق فلانة أو وزواجها أو انجابها أو عدم انجابها أو نجاحها او ترقيتها شىء جيد أم سيىء؟ يتوقف على ما يترتب عليه هذا الأمر من حيث اقترابها أو ابتعادها عن الله. ولابد أن نضع في حسابنا تأثير الأمر على المدى الطويل، أليسوا يقولون رب معصية أورثت ذلا وانكسارا.. خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا؟ ويقولون أيضا رب معصية أدخلت صاحبها الجنة؟ وهذه الغامدية التي زنت ثم تابت حتى قال عنها رسول الله صلى الله عليه ” لقد تابت توبةً لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم”.. فهل هذه المعصية على المدى الطويل كانت شىء جيد أم سيىء؟

إن الأشياء ليست دائما كما تبدو، وكلما تفكر الإنسان في أحوال نفسه ومن حوله لوجد أن أشياء مثل الحسد على الأشياء الدنيوية لا يمكن أن تصدر إلا من شخص جاهل. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها”.

ومن جهة آخرى هذا التفكر يقودنا إلى أنه ليس من الحكمة الحزن والقلق الشديد على ما نعتقد أنها أشياء سيئة تحدث لنا أو لأحبابنا، لأنها ببساطة قد لا تكون فعلا سيئة. أعرف شخص مرضت ابنته الرضيعة مرضا شديدا مؤخرا وعلى قدر ما كان هذا المرض موجع لكل أفراد أسرته، إلا أنه جعله يتساءل هل ظلمت أحد من قبل لذا ينتقم الله مني؟ هو لم يفعل ولكن كونه سأل هذا السؤال ربما سيجعله لاحقا يفكر قبل أن يقدم على ظلم أى شخص خوفا على ابنته التي نجاها الله من المرض. فهل مرض الابنة شىء جيد أو سيىء؟

تراك الآن ترى الأمر مربك ومحير.. ربما بدأت تستحضر الكثير من أحداث حياتك وتحاول إعادة النظر فيها..ربما هناك أشياء كثيرة تحتار أصلا في تصنيفها هذا التصنيف الأحادي (جيد أو سيىء، أبيض أو أسود). أنا أيضًا أشعر بالحيرة، لذا تأتي أهمية اليقين بالله والتوكل عليه وحسن الظن به، أن ننفض أي نطنش أي نفكنا من الناس وما يعتقدوه عن أمور حياتنا وتقييمهم لها بالسلب أو الايجاب، والأهم أن نركز على هدفنا النهائي وهو القرب من الله ومهما كان ما يحدث لنا نركز أن نجعله يقربنا من هذا الهدف ولا يشغلنا عنه.

مستوحى من كتاب
reclaim your heart, Yasmin Mogahed

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s