في الأيام الماضية كنت أشعر أن عقلي على وشك الهروب مني.. أحيانا كنت أجدني ارتجف بدون مناسبة وأشعر أن عيني تدور في كل مكان بحثًا عن شىء لا تعرفه..الأحداث كانت متكالبة بشكل متواصل لميترك لي وقتًا للتفكير، وكأن فجأة دنياك ودنيا من تحبهم قد انقلبت رأسا على عقب…أين تذهب من كل هذا؟

وفي محاولة أخيرة للحفاظ على البقية الباقية من سلامي النفسي، جلست أكتب لنفسي، تذكرت التمرين الذي علمه لي مستشاري النفسي: رسمت “دينا” في دائرة في منتصف الصفحة ثم أخرجت منها عدة فروع فيما يشبه ال

memory map..
فمثلا هناك فرع العائلة: وهذا يتفرع منه بابا وماما وأخواتي والمقربين مننا، هناك فرع للدكتوراة وهذا يتفرع منه: المشرف، زملاء المعمل، الرسالة، المشرف المساعد، هناك فرع لصحتي وهذا يتفرع منه عدة بنود، هناك فرع لعملي التطوعي بكل الناس المتصلة به وكذلك فرع لأصدقائي وفرع للمنزل وفرع للأموال وفرع لعلاقتي مع الله وفرع لمصر وهكذا..

بعد الانتهاء من هذه الفروع والورقات..بدأت ألون بالأحمر الأفرع التي أشعر حيالها بالقلق، وبالأزرق الأفرع المستقرة، وبالأخضر الأفرع المزدهرة وكان هناك أفرع سوداء لا أمل منها.

عند الانتهاء من الرسمة وجدت عدة أشياء:
1) أن عقلنا كثيرا ما يضعنا في مزاج المأساة ويهيىء لنا أن كل شىء في حياتنا أسود، في حين أنه في الواقع هناك أشياء كثيرة -والحمد لله- مستقرة أو مزدهرة. وهناك أشياء حمراء “تشعر بالخطر أو القلق حيالها” ولكنها ليست سوداء بعد، قد تنتقل للأزرق أو الأخضر أو الأسود لاحقًا.

2) أن سبب تشتت عقلي الأساسي هو المناطق الحمراء التي أشعر حيالها بالقلق. وهي تنقسم لنوعين: نوع في يدي نوعا ما التحكم فيه مثل رسالة الدكتوراة ونوع خارج نطاق سيطرتي مثل قلقي على مرض أحد أفراد عائلتي في مصر.

3) الأمور التي خارج سيطرتي: سواء قلقت ام لم أقلق، فإن قضاء الله نافذ لا محالة ولا يرده سوى الدعاء وليس القلق الذي يجعلني في حالة شبه تجمد حتى عن الدعاء.

4) أنه قد آن الأوان للتخلص من الأفرع السوداء وقطعها من الشجرة نهائيا حتى تتوقف عن شغل عقلي.

5) أن الأمور التي تقلقني والتي في إطار تحكمي -نوعا ما- لابد أن أوغل فيها برفق..بمعني أنه بدلا من توقع الكثير من نفسي ثم لا أفعل أي شىء بسبب القلق، ألزم نفسي بشىء بسيط جدًا ولو نصف ساعة ثم تزيد تدريجيا.

يقولون أن القلق في حد ذاته بنسبة معقولة شىء ايجابي لأنه يدفعنا للعمل والدعاء، ولكن عندما يزيد عن حده يلجم الإنسان وقد يكون مسببا لكثير من الأمراض الجسدية مثل الحساسية، وآلام الظهر، والاكتئاب، والصداع، بالاضافة لنوبات القلق والتي أصابتي مرة من قبل.

ربما يبدو ما أقوله خياليا لحد ما لشخص يعاني من القلق الشديد، ولكني اعتقد أن التوكل على الله هو الحل الوحيد للشعور بعدم الأمان والقلق. أعلم أنه أحيانا ننسى وأحيانا يجتاحنا القلق، هذا ما حدث لي شخصيا عدة مرات..ففي عقيدة أهل السنة الإيمان يزيد وينقص، ولكن الحمد لله الذي يقودنا دائمًا إلى طريقه في كل مرة نبتعد عنه.. لا اعتقد أنه يوجد شعور يصف ألم صداع يكاد يفتك برأسك، ثم تجده يتلاشى ما أن تضع رأسك على سجادة الصلاة وتدعي في سجودك بكل ما يقلقك.

ولكن كشخص بصري، رسم شجرة القلق ساعدني على اكتشاف مصادر قلقي وتوترتي ووضعها في حجمها الحقيقي بالنسبة لحياتي بشكل مجمع، وعندما بدأت في الدعاء أثناء السجود، كنت أرى الشجرة أمام مخيلتي وانتقل في خيالي من فرع لفرع ومن ورقة لورقة. فاللهم لك الحمد.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s