كنت أتحدث مع أحد صديقاتي الأمهات فاشتكت أنها لا تستطيع الذهاب لأي حفلة أو تجمع والاستمتاع لأنها طول الوقت تكون عينها على أولادها وشقاوتهم وأنها فقط تتمنى لو مرة تستطيع الخروج بدونهم لتشم نفسها..

استطيع أن اتفهم وجهة نظر صديقتي وبالفعل أشجعها وأشجع أي أم على أخذ وقتها لنفسها من فترة لآخرى، ولكني من ناحية آخرى تذكرت شيئًا آخر أني وصديقاتي في الجامعة من عمر 18 سنة لم نخرج تقريبًا أي مرة بدون أخواتنا الصغار في رسالة ..ليس فقط من أجل النزهات وشراء احتياجتهم ولكننا أيضًا كنا نصحبهن في مشوارينا الخاصة حتى نعطيهن بعض خبرة الحياة التي يتعرض لها الطفل في أسرته..فكنا نصحبهن معنا للطبيب ولشراء البقالة وكل شىء…كانت فعلا حياتنا مقسمة بين الدراسة في كلية هندسة وهن … كن محور أحاديثنا حتى في أوقات فراغنا في الجامعة (هذا عندما يكون لدينا وقت فراغ أصلا) ..

ربما كان ينظر أحدهم إلينا ويقول أن شبابنا سرق مننا وأننا لم نعش حياتنا كفتيات ونتمتع كالآخريات وأننا كنا نتحمل مسئولية فوق طافتنا عندما نرافق خمس أو ست وأحيانا سبع فتيات صغار للمول أو للمصيف او الملاهي، ربما ينظر أحدهم إلي بعضنا الآن وقد باعدت الأيام بينه وبين رسالة بسبب ظروف السفر والهجرة ويقول ماذا استفدت من هذه العشر السنوات التي قضيتها مع هولاء الأيتام؟ الآن أصبحت لهم وأصبحوا لك مجرد ذكرى..صورة تضعها على حائطك وتختلس النظر إليها من وقت لآحر…ألم يكن من الأولى أن تستثمر هذا الوقت في شىء أنفع لحياتك المهنية أو ربما كنت عشت شبابكومراهقتك أو على الأقل اهتتمت بنفسك وصحتك قليلا؟ ما الذي استفدته من كل هذه السنوات بخلاف الثواب الذي كان يمكن أن يأتي من أي طريق آخر؟

عندما أرجع بالذاكرة للوراء، أجد أن حياتي كان -وما زال- فيها الكثير من الآلآم..وعندما أتخيل كيف كانت ستكون من غير رسالة، أجدني أما وقد انهرت نفسيًا وعصبيًا أو وقد انحرفت لأي طريق يسبب لي سعادة مؤقتة تشفي هذه الآلآم… وحده العطاء والاحساس بأني أفيد غيري بشكل مباشر كان له فعل السحر على نفسيتي، ولا أخفيكم سرًا أن كثير من المتطوعين في رسالة هم أنفسهم قد فقدوا آبائهم أو أمهاتهم أو تم طلاق والديهم في سن صغير أو هناك مأساة ما في حياتهم… وكأن الألم الشخصى يجعل البعض يستشعر أوجاع الآخرين ويبذل من وقته وجهده ما يستطيع به التخفيف عنهم. ولهذا كثيرًا ما كنت أقول أننا نحتاج لهولاء الأطفال (أو العمل التطوعي بشكل عام) أكثر ما هم بحاجة لنا، نحتاج إليهم لنسعد، لنرقى، لنستطيع مواكبة الحياة بكل ما في تحديات.. بالفعل أحيانا كانت المسئولية كبيرة وكانت هناك مشاكل وصراعات، فأغلب الأحيان يضيف العمل التطوعي همومات آخرى لحياة نعتقد أنها لا تحتمل همًا آخر.. ولكن الاحساس بالسعادة والفرحة أن ربنا سخر الانسان لمساعدة غيره -خاصة لو كان طفلا- لا يعادله احساس، وبالتالي ينعكس بشكل غير مباشر على حياتنا.

ثم أن هناك خبرة الحياة التي تكسب الانسان حكمة وتجعله يفوق عمره بأعمار.. المشاكل والصراعات بين فريق العمل التطوعي التي أحيانا قد تصل لأن يترك أحدهم الفريق تولد عند الانسان رغبة في محاولة الالتفات دومًا حول أهداف مشتركة والبعد عما يفرق الجماعة..عندما تخرجنا من الجامعة في سن 22 عامًا كان لدينا بالفعل خبرة العمل مع مختلف الشخصيات بسبب رسالة، ربما لم يكن أحدنا ينجح في عمله بدون هذه الخبرة.. ربما لم نكن الآن في مكاننا هذا بدون كل العلافات الشخصية التي تكونت مع أفراد من مختلف التخصصات والمجالات..ربما لم نكن لنستطيع أن نكون صداقتنا الحالية في الغربة لو لم نمر بكل هذا..

لذا لا اعتقد أن أمور الحياة يتم حسابها بمقدار مادي مباشر كما يفكر بعض الآباء والأمهات (ضع ساعات مذاكرة أكثر، تحصل على درجات أفضل، تكون في مكان أحسن). حسنًا لنتخيل أني لم أكن أعطي كل هذا الوقت لرسالة أثناء دراستي..هل كنت سأطلع الأولى على الدفعة مثلا بدلا من الثامنة؟ وهل لهذلا فرق أصلا؟ يعني عندما أنظر الآن لدفعتي بعد 10 سنوات من تخرجنا، معظمنا يعمل في شركات مرموقة أو يحضر الدكتوراة في الخارج أو انتهى منها بالفعل.. ليس هناك فرق كبير بين الأول والعشرين ولا حتى الثلاثين..في النهاية كل ميسر لما خلق له. كذلك الأمر بالنسبة للدكتوراة، لو لم انشغل بالعمل التطوعي حاليا وبالكتابة وباتحاد الطلبة وكل هذه الأشياء، هل كنت سأخلصها في أربع سنوات بدلا من ستة أو سبعة مثلا؟ وهل بعد 10 سنوات من الآن سيكون هناك فرقا بين هذا وذاك… ولماذا لا ينظر أحدهم للجانب الآخر: وهو أن هذه الأشياء بالنسبة لي بمثابة أكسير الحياة والمعين على متاعبها، وربما بدونها كنت سأنسحب تماما.

اعتقد أن كل ما يحتاجه الانسان أن يبحث عما يجعله سعيدًا، بصرف النظر عن مقارنة نفسه بغيره وأين هم وأين هو….هذا لأن هناك أبعاد كثيرة غير التفوق الاكاديمي والماديات، الحياة أكبر بكثير أن يتم حسابها.. ولكن لها قواعد ثابتة أؤمن بها: واهم قاعدة هي أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وأحمد لله تعالى أني لم أقع أبدًا في ضيق أو احتاج لمساعدة في أي شىء، ألا وقد وجدت الأرض تنشق عمن يساعدني وما زلت أتذكر كلام جدتي في أول مكالمة لي معها بعدما سافرت كندا فكنت أخبرها أن هناك أناس كثير لا أعرفهم يساعدونني، فقالت لي عملك الطيب يا بنتي بيرجعلك.

فعودة لصديقتي التي تشتكي من أنها لا تجد وقتا لراحة نفسها بسبب أولادها، لا أجد شيئًا يعين سوى أن تكون نية تربية هولاء الأولاد لله وبذلك تنعكس كل لحظة معهم على سعادتك سواء عاجلا أو أجلا.. ربما تأخرتي في دراستك أو حياتك المهنية بسببهم، ربما يحدون كثيرًا من حريتك وراحتك النفسية، ولكن تأكدي أن كله سيعود إليك في الدنيا والآخرة.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s