كيف تعبر أول سنة غربة؟

كيف تعبر أول سنة زواج ؟

كيف تعبر أول سنة في قيادة السيارة؟ في عملك الجديد؟ في دراستك الجامعية؟

بعد طلاقك؟ بعد وفاة والدك؟ بعد وفاة ابنك؟

كل ما سبق يندرج تحت بند “المرحلة الانتقالية”.. الانتقال من حال لحال

سواء كان الحال الجديد تعود على مهارة جديدة مثل قيادة السيارة أو على وضع اجتماعي جديد مثل الزواج أو الانفصال أو على غياب شخص مهم في حياتك أو أي تغير يمر في حياتك، وبالطبع تزداد صعوبة المرحلة الانتقالية إذا كان يمر بك أكثر من تغير في وقت واحد..فمثلا أول سنة غربة: تنطوي على تغير المكان وربما لغة التعامل بالاضافة لتغير العمل أو الدراسة، مما يجعلها من أكثر المراحل صعوبة في الحياة، فإذا كان لديك أولادا في سن البلوغ مثلا ويتعرضون معك لتجربة الغربة فإنهم يزيد عليهم بالاضافة لكل ما سبق، التغير من الطفولة للبلوع.

أكثر ما يتعرض له المرء في مراحل التغيير هذه هو القلق والتوتر كلما مر به موقف جديد لم يمر به من قبل..آلاف الأفكار مع كل موقف مهما كان تافهًا أنك لن تمر هذه المرحلة وأنه من الأفضل لك العودة كما كنت في السابق (إذا كنت تستطيع ذلك)، الحيرة في كيف تتعامل مع الموقف وعما إذا كان ما تفعله صحيحا وإلي أين سيقودك هذا الطريق… :

ولكن دعنا نتحدث بأمثلة لتقريب معني المرحلة الانتقالية: مثلا إذا كنت متزوج منذ فترة طويلة: هل تتذكر أول سنة زواج…أول خناقة..كم التوتر الذي شعرت به وقتها .. كم التصورات والأفكار عن الطرف الآخر التي طافت بخيالك؟ هل الآن تتعامل مع الخناقات الزوجية بنفس التوتر؟أم أنها أصبحت شبه روتين وأصبحت لحد تعرف أنها ليست نهاية حياتكما معا وأن الموضوع سيتم تجاوزه

مثلا إذا كنت خبيرا في قيادة السيارات: هل تتذكر أول سنة قيادة للسيارة؟ هل تتذكر أول حادثة؟ أول مرة شخص شتمك في الطريق؟ أول خطأ قمت به؟

أول مرة السيارة تقطع بنزين؟ أو يصيبها أى عطل؟

هل الآن تفكر أصلا وأنت تقود السيارة؟ وهل عندما  يحدث أي شىء للسيارة تنهار أو تتوتر أم أنك تعرف بالتحديد ما الذى يجب أن تفعله؟

كذلك الأمر بالنسبة للغربة: أتذكر في أول سنة أني كنت أبكي طوال اليوم إذا قلت لزميلة “هاي” ولم ترد علي أو إذا رماني أحد بنظرة من فوق لتحت ربما بسبب الحجاب…كنت أقول أين مصر ودفء مصر والناس الطيبة (وكأني لم أكن أتعرض للتحرش والسرقة في شوارع مصر) ولكن ربما بسبب توتر الغربة ورغبة الإنسان أن يشعر أن المكان الجديد مكانه، فكنت أبالغ في رد فعلي …الآن صرت أفهم أنه كما أن هناك كنديون عنصريون فإن هناك آخرين بشوشيين وطيبيين ..صرت أشعر أن المكان مكاني أنا أيضا مثلهم تماما  وتعامل أحدهم السيىء معي لا يؤثر في انتمائي للمكان ولا راحتي فيه.. واللي مش عاجبه يشرب من البحر

في أول سنة غربة قالت لي صديقة تسبقني أنه سيأخذ الأمر وقتا طويلا منك حتى تمري بكل المواقف التي من الممكن أن تحدث في مصر وأنت بعيد وعلى  قدر صعوبة أول مرة فإنها ستسهل كل المرات التالية:  وهذا ما حدث بالفعل… تحملت أول عيد مر علي في الغربة بشق الأنفس وفي العيد التالي كتبت مقالة كئيبة للغاية..ثم مع كل عيد يقل الحزن وتتباعد الذكريات حتى أنه الآن بعد 12 عيدًا لم يعد يمر ببالي أصلا أني بدون أهلي في العيد…  وكذلك الأمر في أول مرة يتم خطبة أو زواج شخص من العائلة،  وأول مرة يدخل أحدهم المستشفي،  وأول وفاة وأنا في الغربة، وأول رمضان يمر علي وأنا أفطر بمفردي تماما وأول  مولود (بنت أخي الآن تقترب من عامها الأول ولم أرها إلا في الصور ..بالطبع لم أكن أتخيل أن يحدث هذا في حياتي)

أول مرة وقفت لمدة 15 دقيقة في درجة حرارة -30 كنت على وشك طلب الاسعاف..أول مرة ضللت الطريق كنت أشعر بأني لن أصل للبيت أبدا، الآن صارت هواية عندي أن أضل الطريق..أكتم ضحكاتي وأنا أتذكر أني من حوالي 7 سنوات كنت مسافرة من القاهرة لاسكندرية في عمل وقمت بحفظ أرقام هاتف أحد أقاربي هناك عن ظهر قلب ﻷنها كانت أول مرة أذهب لاسكندرية بمفردي وكنت خائفة بشدة… ..والآن بعد ما طفت معظم مدن كندا بمفردي، لم أعد أشعر بالخوف من الأماكن الجديدة..ولكن كم من الوقت تطلب حتى أصل لهذه المرحلة؟

في أول سنة ﻷي مرحلة انتقالية: يقوم اللاوعي بالتعود على كثير من الأشياء الجديدة التي تعتبر مسلمات في البيئة القديمة وهو ما يجعل المخ في حالة توتر وعدم تركيز..كأنك انتقلت لشقة جديدة وتبحث عن مكان مفتاح النور في كل مرة تدخل فيها دورة المياه..كم يلزمك لتحفظ مكان المفتاح ولا تفكر أين هو؟ شهر مثلا؟

تخيل في الغربة كم الأشياء الجديدة..طريقة ركوب المواصلات ..طريقة تعامل الناس مع بعض..التعامل ربما بلغة جديدة لم تتعود التعامل بها طوال اليوم.. كيف يرصون الطعام في السوبر ماركت..اتواع الأكل ..ما هو حلال وما هو غير حلال… الملابس.. الأجهزة الكهربائية.. ملايين التفاصيل الدقيقة عن كل شىء وأي شىء..

كل هذا يحاول المخ أن يستوعبه ويفهمه ويجعله يمر لاحقا بدون تفكير…ولكن ما أن تحدث عملية التعود هذه سواء على الاحداث اليومية البسيطة أو الحوادث الغريبة أو ما يحدث في بلدك وأنت بعيد، ما أن تتأقلم على كل هذا، حتى يصفى ذهنك للأشياء التي تتطلب تركيزا أطول مثل القراءة والدراسة ..لذا يجب علينا في المرحلة الانتقالية ألا نتوقع من أنفسنا الكثير وأن نفهم أن أذهاننا في حالة تعلم لأشياء كثيرة تعتبر بديهة للآخرين..لذا سيأخذ الأمر وقتا طويلا حتى نستعيد نشاطنا وسلامنا النفسي…

أعلم أن الأمر صعبًا..ولكنه سيمر كما مر بالكثيرين من قبل..كل الحدوتة شوية مجهود وصبر ودعاء..وبعد أول سنة، سيكون عليك أن تحتفل بأنك تجاوزت أهم مرحلة من مراحل الغربة لتنطلق في المراحل التالية إن شاء الله

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

3 responses »

  1. غير معروف قال:

    لذا يجب علينا في المرحلة الانتقالية ألا نتوقع من أنفسنا الكثير وأن نفهم أن أذهاننا في حالة تعلم لأشياء كثيرة تعتبر بديهة للآخرين..لذا سيأخذ الأمر وقتا طويلا حتى نستعيد نشاطنا وسلامنا النفسي

  2. Mohamed Hassan قال:

    رائع ، حاسس انك بتتكلمى عنى

  3. غير معروف قال:

    اممممممم وهل الامر يستحق ان تكونى بعيدة عن زواج وفرح اقاربك وحوادث الوفاة و الاعياد واشهر رمضان المباركة هل يستحق الامر فعلا بعدك عنهم ؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s