كما تحدثنا سابقًا فإن الأكل الانفعالي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الكثير من الأنظمة الغذائية غير فعالة على المدى الطويل.. وﻷني أعلم أن هذه أحد مشاكلي فقد كنت أقرأ وأبحث عن الموضوع طيلة الثلاث سنوات الماضية محاولة لفهم هذا الأمر بداخلي ووضع يدي على طرق معالجته.. وأحمد الله فإني أحسب أني ولأول مرة في حياتي قد انتهيت من هذا الأمر وعالجت هذه المشكلة بشكل فعال، حتى أني في الفترة الأخيرة مريت بعدة أزمات ولم ألجأ ولا مرة -الحمد لله- للأكل كمسكن لحزني وتوتري..بل ظل غذائي متوازنًا كما هو وهو ما أندهشني كثيرًا..

إذن فكيف وصلنا لهذه النقطة؟

كما قلنا لا يوجد حل سحري ولا عصا موسى التي تحل مشاكل ترسخت لسنوات…الموضوع لابد أن يأتي بالتدريج بكثير من الوعي والقراءة وفهم النفس.

فنلبدأ من البداية عما تعلمته من قراءتي عن الفرق بين الجوع الحقيقي والجوع الانفعالي.. الجوع الانفعالي يحدث فجأة بدون مقدمات في حين أن الجوع الحقيقي عادة يحدث بالتدريج… وكذلك مع الجوع الحقيقي تستطيع الانتظار قليلا في حين أن الجوع الانفعالي يجعلك تريد الطعام في التو واللحظة وكأنه نوع من المخدرات.

عندما قرأت هذه المعلومة أخذت أتذكر مواقف عدة مثلا يوم دعيت لطعام عشاء مع أشخاص قتيميين للغاية، أول ما جلست على المائدة  معهم شعرت بجوع غير طبيعي وكنت أتضور جوعا وكأني صائمة لأيام..وكنت أريد الأكل أن ينزل على المائدة في التو واللحظة وعندما وضعه الجرسون أكلته في دقائق معدودة مما سبب لي حرجًا بالطبع لدرجة أنهم كانوا ينظرون لي باستغراب شديد.

الآن أفهم أن هذا كان جوع انفعالي بسبب التوتر ووجودي مع أشخاص لا أحبهم يشعون طاقة سلبية ويتنفسون كراهية وحقد. بكتابة هذا الموقف وغيره في أجندتي الخاصة بدأت أفهم إلى حد ما مثيرات الجوع الانفعالي عندي مما يعد أول خطوة من خطوات السيطرة على النفس..أن نفهم.

كذلك في أحد الكتب التي قرأتها كانوا يربطون بين الأكل الانفعالي وعادات الطفولة..فمثلا معظم الآباء يكافئون أولادهم بالحلوى وكذلك يحاولون الترفيه عنهم إذا مرضوا بالحلوى والشيكولاتة، مما يولد في العقل الباطن رابط بين الحلوى والسعادة، خاصة إذا عاني الطفل في صغره من مرض شديد أو أزمة نفسية (نتيجة مثلا انفصال والديه) وتم محاولة التخفيف عنه بالحلويات الكثيرة، فهذا يجعلها ترتبط عنده كما يرتبط الانسان بالمخدرات تماما التي تجىء له في وقت أزمة.

بدأت أفكر في نفسي وأكتب في الأجندة الخاصة العادات الغذائية المرتبطة بطفولتي والتي كان من حولي يقومون بفعلها عن غير قصد منهم طبعًا.. الكثير من الشيكولاتة والحلوى والأيس كريم خاصة كلما كنت أعاني من حزن أو تعب… إذن فهناك أصل للمشكلة مترسخ منذ أكثر من 30 سنة وهذا لن يحل في يوم.

كذلك قرأت أن الطفل عادة ما يتعلم كيفية مواكبة الأزمات ممن حوله من الكبار..فمثلا إذا كانت والدته كلما حزنت أكلت حلوي، ترسخ عند الطفل معنى أن الحلوى شفاء للآلام (ملحوظة نفس الأمر بالنسبة ﻷولاد المدخنين، لدرجة أن هناك من مات والدهم بسرطان الرئة بسبب التدخين ورغم ذلك عندما كبروا دخنوا مثله تمام)

عندها بدأت أفهم الأمر وأربط الأشياء ببعضها البعض بفضل الله، ولكن الآن بعد هذا الفهم ماذا نفعل؟

 

اعتقد أن كل ما كتبته في الحلقات العشر الماضية ساهم في علاج المشكلة بما في ذلك كتابتي أصلا عن المشكلة واعترافي بها وعدم خجلي منها… مثلا ايجاد رياضة أحبها وأشعر بالراحة فيها مثل اليوجا والسباحة…الآن مهما كان عندي من مشاغل أذهب  هناك ليس من أجل أن أحرق سعرات حرارية ولكن من أجل أن أشعر بالسعادة… كل شىء عملته في الفترة السابقة ساعدني

 

اعتقد أيضًا أن ما ساهم في علاج المشكلة هو عدم اتباع نظام ريجيم مكتوب..فأنا أكره القيود وأكره أن يخبرني أحد ماذا يجب أن أكل أو افعل اليوم..لذا كانت معرفة الشروط الصحية للغذاء واحداث توازن به أفضل لي بكثير  وهذا ما سنتكلم عنه لاحقًا إن شاء الله.

 

كذلك الجلسات التي قمت بها مع المعالجة السلوكية فادتني جدًا في أن أتخلص من جلد الذات الذى كان يجعلني في حالة نفسية سيئة…عدم الاحساس بالحرمان في حد ذاته كان عامل كبير… بمعنى إذا كان نفسي في شيكولاتة أو كيك فلا أقول لها لا، بل أذهب واشتريها كما علموني وأكلها بتلذذ شديد بدون لوم للنفس..وانتهى الامر على ذلك… بمرور الوقت صرت لا اشتهى هذا الأشياء ﻷني لست محرومة منها تماما…لا أعلم تحديدا لماذا يريد الانسان أن ينهل من الشىء الممنوع ويعف المتاح. ولكن ما علينا..هذا ما قالوه لي وقد أفلح معي..ربما لا يفلح مع شخص آخر.

 

اعتقد أيضًا أن ما أحدث فرقًا هو تأمل الضغوطات في حياتي ومحاولة التعامل معها ..اما بتقبلها أو تغييرها تدريجيًا أو التخلص منها..أيضًا لم يحدث هذا بين يوم وليلة ولكني مثلا عندما قررت الابتعاد عن الأخبار السياسية وعن الكتابة عنها وجدت سعادة وراحة بال كبيرة… خاصة أنه ليس ابتعاد هروب بقدر ما هو ابتعاد للتركيز على هدف آخر أشعر أنه سيفيد الناس أكثر… وعندما أخبرت المعالجة السلوكية بقراري هذا قالت لي كلمة جميلة

This is intellectual selection

كثير من الأشياء في حياتي بدأت أرى الوجه الآخر للعملة فيها… وأنه بشكل ما كل هولاء كانوا سببا في تشكيلي الآن بكل ما أنا فيه من مميزات وعيوب وأنه حتى عيوبي قد يمكن رؤية وجه آخر لها..

فمثلا لولا أني حساسة أزيد من اللازم لما كان عندي الدافع لمساعدة الناس ولما نمت في موهبة الكتابة.. كل الآلآم التي مرت به في حياتي جعلتني أكثر تفاهما لآلآم غيرى.. نعم أنا أفهم معنى الاكتئاب جيدًا ﻷني عشت في هذه المنطقة الظلمة من قبل..نعم أفهم معنى الغدر..معنى الخيانة..معنى الوحدة..معنى الغربة..معنى اليتم (من احتكاكي بأطفال رسالة)..معاني كثيرة لم أكن ﻷفهمها دون أن أعيشها أو يعيشها أفراد قريبيين مني جدًا.

 

إذن فكل هذه الابتلاءات التي ربما يجعلني الشيطان أتصور بها أني ضحية وأحتاج لشىء يسكن آلامي كالأكل، ليس حقًا سوى مراحل إعداد لشىء أكبر..وكلما اقتربت من هذا الشىء كلما أدركت حكمة ربي في كل هذا

إذن هذا هو كل شىء..الشعور بالرضا وكفى بها نعمة

اعتذر إذا  سببت هذه المقالة إحباطًا لبعض ممن كانوا يبحثون عن حلول سريعة..مرة آخرى لا يوجد حل سحري ..وتقبل نفسك على ما أنت عليه الآن والسعي للاصلاح التدريجي بدون تحميل النفس مزيدًا من التوتر والجلد هو بداية الطريق.. أعاننا الله وإياكم

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s