هل رأيت من قبل أحد هولاء الأشخاص الذين ينامون كثيرًا خلال النهار وتقريبا في أي مكان ممكن؟ تراهم يضعون رؤوسهم على المكتب أو الكنبة أو أحيانًا وهم في دورة المياه وينامون ولو لدقائق معدودة.. لسبب ما يبدو أن أجسامهم لا ترتاح ودائمًا متعبين وغير قادرين على الحركة مما يسبب زيادة أوزانهم فيبدأون ويبدأ الناس في لوم السمنة على الكسل في حين أن السبب ربما يكون شيئًا آخر تماما

بالفحوصات الطيبة قد يكتشف بعض هولاء أن عندهم غدة درقية..أعرف واحدة كانت أحيانًا لا تقوى على حمل زجاجة مياه لتشرب وظل وزنها يزيد حتى اكتشفوا موضوع الغدة وعندما تم علاجها تغيرت حياتها..هناك قارئة أخبرتني عن صديقة لها كان لديها ربو تعالجه بكرتيزون سببت لها زيادة في الوزن وعندما انتقلت أسرتها من القاهرة لمرسى مطروح حيث التلوث أقل، تحسن الربو ولم تحتاج لكروتيزون وبالتالي قل وزنها..تحدثنا كذلك في المقالة الأولى عن الطبيب الذي اكتشف أن سبب بدانته هو اصابته بالسكر حيث تقوم الخلايا بتخزين الدهون بدلا من حرقها. اعتقد أن العلم ربما يكتشف أسباب آخرى لاحقًا ولأني لست طبيبة وأحكي فقط تجربتي فسأحكي لكم عما اكتشفته وكله تم بتوفيق ربنا وحده..

ذهبت في يوم للمبيت عند صديقة لي وفي الصباح قالت لي أتعلمين أنك تعانين من متلازمة انقطاع التنفس أثناء النومSleep Apnea قلت لها أعلم أني أشخر أحيانًا، قالت لي ليس هذا..أثناء النوم تستيقيظين عدة مرات لتأخذي نفسك وتنامين مرة آخرى. وأخبرتني أن هذا يمنعني من النوم العميق اللازم لراحة الجسم وأني لابد أن اتحدث مع طبيب.

ذهبت لطبيب الجامعة وأخبرته بما قالته صديقتي فبدأ يشرح لي ما هى متلازمة انقطاع التنفس؟ وقال لي أنها قد تكون بسبب الوزن الزائد مما يجعل هناك عضلات كثيرة في منطقة الرقبة، أو قد تكون خلقة ربنا أنه جعل أعضاء تنفسي بشكل معين مما يجعلها غير قادرة على التنفس أثناء الاستلقاء في وضعية النوم، وبالتالي يرسل المخ اشارات كل فترة للجسم أن يستيقظ ليأخذ نفس لثواني معدودة ثم يرجع للنوم وهذا يجعله غير قادر على النوم العميق..

شرح لي الطبيب أن متلازمة انقطاع النوم وزيادة الوزن مثل الحلقة المفرغة..بمعنى أن الانسان يكون غير قادر على الحركة أثناء اليوم بسبب عدم النوم الكافي، فيأكل أكثر ليحصل على الطاقة، فيزيد وزنه بسبب قلة الحركة والأكل، فتزداد المتلازمة سوءا، فيأكل أكثر وتقل حركته، فيزيد وزنه أكثر وهكذا دواليك..  تأثرت كثيرًا عندما علمت أن هناك أطفالا يعانون من هذه المتلازمة (ربما بسبب تشريح جهازهم التنفسي)، تخيلت كيف يتعامل معهم الناس على أنهم كسالي وبدناء ويدفعونهم إلى الاكتئاب والانطواء وكل هذا بدون أن يعرف أحد أن هناك مشكلة آخرى لابد من حلها.

المهم قام طبيب الجامعة بتحويلي إلى عيادة  لدراسة اضطرابات النوم لنقوم باختبار يوضح مدى فداحة المشكلة كما قام بتحويلي أيضًا إلى عيادة التحكم في الوزن التي تكلمت عنها عدة مرات.. ذهبت لعيادة النوم وقاموا باعطائي جهاز يقيس نسبة الاكسجين أثناء النوم وبه ميكروفون لتسجيل أصوات الشخير وخلافه..وكان علي أن أضع الجهاز أثناء النوم ثم أحضره في اليوم التالي ليقوموا بتحليل البيانات المسجلة بارسالها لخبراء اضطرابات النوم

في نفس ذات الوقت ذهبت لعيادة التحكم في الوزن وفي المقابلة الأولى سألوني عن نومي ففهمت من الأسئلة أنهم يريدون أن يعرفوا إذا كان عندي هذه المتلازمة..فحكيت لهم ما حدث وأني فعلا في انتظار نتائج دراسة النوم وبعدها انتبهت أن في العيادة الكثير من المنشورات والملصقات حول متلازمة انقطاع التنفس هذه ﻷنها تعتبر من أسباب زيادة الوزن أو جعل المشكلة أكثر سوءًا..ليس هذا فقط، بل باستمرار المشكلة قد تؤدي لارتفاع الضغط وأمراض مختلفة في القلب..ويعتبر حوالي 30 مليون واحد حول العالم مصابون بها.

أخبرتني الطبيبة في عيادة التحكم في الوزن أنه ربما تكون هناك عدة عوامل ساهمت في زيادة وزني مؤخرًا وأصابتي بالاكتئاب..منها الظروف النفسية وتأثري بالوضع السياسي في مصر وببعض المشاكل الآخرى، ومنها ازدياد متلازمة انقطاع التنفس سوءًا مما جعل حركتي أقل فأخذت أجلد نفسي كثيرًا، ومنها عدم استطاعتي التركيز في الدكتوراة فزدت من جلد نفسي.. فتوصلنا أن الأمر أكثر بكثير من ورقة ريجيم، وأنه لابد من علاج أو الحد من تأثير كل هذه المشاكل معًا.

بدأت أخذ مضاد للاكتئاب كما حدثتكم في مقالة الاكتئاب وحضور محاضرات التوعية الصحية في العيادة ..كل شىء يأخذ وقتًا ..لا يوجد حل سحري..وأخيرًا جاءت نتيجة دراسة النوم بأني فعلا مصابة بهذه المتلازمة واحتاج لجهاز تنفس أثناء النوم ليجعل الأكسجين يدخل لجهازي التنفسي بشكل مباشر فلا استيقظ وبالتالي استغرق في نوم عميق.

ذهبت لعيادة النوم لأخذ الجهاز الذي قالوا أن علي تجربته لمدة شهر قبل أن أقرر شراء آخر خاص بي..بدأت الممرضة تعلمني كيف أضع القناع وكيف أظبط الجهاز كما في الصورة..وهنا بدأت أغضب بشدة من نفسي ..لم أكن قادرة على تخيل أني يوميًا سانام بقناع تنفس..كيف سأتزوج؟ كيف سأنجب أطفالا؟ كيف سأراعهم؟ بدأت ألوم نفسي أني السبب في كل هذا ﻷني سمحت لوزني بهذه الزيادة، وهذا كله رغم أن الممرضة أكدت لي أن هناك أشخاص نحفاء يستخدمون هذا الجهاز ﻷن هذا تكوين جهازهم التنفسي..وقالت لي أيضًا الحل الوحيد لنعرف السبب، هو أن تستخدمي الجهاز الآن لكسر الحلقة المفرغة بين المتلازمة وزيادة الوزن وعندما يقل وزنك تستطعين عمل دراسة نوم ثانية لنعرف إذا كنتي ما زلتي تحتاجينه أم لا.

 

 

ولكني لم أكن استمع إليها، كنت تحت تأثير صدمة حاجتي لجهاز تنفس أثناء النوم وأني السبب في هذا..ذهبت للصيدلية أسفل العيادة ﻷشترى بعض الأدوية وعند الكاشير وجدتني اشتري شيكولاتة وأكلها بنهم وكأني أقوم بأي محاولة لتسكين صوت جلد الذات هذا (سنتكلم عن الأكل الانفعالي لاحقًا إن شاء الله)، المهم طبعًا بعد ما أكلت الشيكولاتة، لمت نفسي أكثر بكثير :وكأنك أغبى انسانة في الكون..تلومين نفسك على زيادة الوزن التي تسببت لك بهذه المشكلة ثم تأكلين شيكولاتة”..وعندما وصلت منزلي كنت انتهيت

فجأة شعرت بضيق تنفس شديد فطلبت رقم تليفون مجاني خاص بسكان الولاية ترد عليك فيه ممرضة في أي وقت لتسألها أي سؤال صحي..بدأت أشرح لها الأعراض التي أعاني منها فقالت لي لابد أن تقفلي معي وتكلمي الطوارىء حالا.. طبعًا اتخضيت ﻷني عمري ما دخلت مستشفي الحمد لله..كلمت الطوارىء ووصلت الاسعاف في خلال 10 دقائق وقاموا بعمل رسم قلب ثم أخذوني للمستشفى لعمل الفحوصات اللازمة ليتأكدوا أنه ليس هناك جلطة أو شىء آخر.

طبيب الطوارىء أخبرني أنه لا يوجد شىء مقلق من ناحية الطوارىء ولا توجد أزمة قلبية أو جلطة..غالبا ما حدث لي أزمة قلق بسبب الغضب والتوترPanic attackوبما أني درست صحة نفسية فكنت أعلم أن أزمة القلق لها نفس أعراض الأزمة القلبية ولكنها شىء نفسي وليس جسدي، وقد يحدث لبعض الأشخاص في الامتحانات أو فترات التوتر الشديد.

المهم خرجت من الطوارىء ورجعت للمنزل مع صديقة وظلت لعدة أيام متنحة أتأمل ما صار لي وكيف أني كنت سأتسبب لنفسي بمشكلة أكبر من السمنة ومن متلازمة انقطاع التنفس بسبب الغضب وجلد الذات..تذكرت صديقة لي كانت تعاني من سمنة متوسطة وتقول دائمًا أنها تتمنى أن تصاب بأي مرض في الدنيا ولكن وزنها يقل حتى يكون نحيفة..وشعرت أني فعلت شىء مشابه لها..بدلا من أحمد ربنا على وجودي في كندا وعلى اكتشافي أحد أسباب المشكلة بالصدفة وعلى توافر العلاج، ركزت فقط في النواحي السلبية وهي أني سأضع الجهاز

جاهدت نفسي وبدأت في وضع القناع أثناء النوم ولدهشتي نمت فورًا..لم يعق نومي مطلقًا..وربما تفسير ذلك أن جسدي يكون متعبًا جدًا بسبب المتلازمة مما يجعل الجهاز مثالي جدًا لي.. وفعلا بدأت بالتدريج أتحسن ونشاطي الحركي يزيد ووزني يقل..لدرجة أني من يومين مشيت حوالي ساعتين بدون أي تعب، انا التي كنت أنهج إذا سرت 20 دقيقة..سبحان الله!

في نفس الوقت، صديقة لي من دولة عربية أخبرتني أن والدتها اكتشفت أن لديها متلازمة انقطاع التنفس هذه وأنها قامت بشراء الجهاز في بلدهم وأيضًا فرق معها جدًا، لدرجة أنها كانت تذهب لدرس دين كل أسبوع وغالبا تنام فيه ففوجئت أنها لم تعد تنام هناك وصارت تحفظ القرآن ﻷول مرة منذ سنوات، كما أثر على نفسيتها كثيرًا وحركتها في المنزل.

وطبعا بعد انتهاء شهر التجربة، قمت بشراء الجهاز..ثمنه حوالي 2200 دولار كندي يغطي التأمين الصحي للطلاب 1500 دولار منهم والباقي أرسله لي أهلي في مصر ..لا علم لي إذا كانت هناك عيادات لدراسة اضطرابات النوم في مصر ولا أعرف سعر الجهاز هناك..ولكني متأكدة أن هناك الكثيرون يعانون من هذه المتلازمة وأنها تؤثر على كل حياتهم..نصيحتي أنه لو شك أحدهم في وجود هذه المتلازمة عنده، فلابد أن يقوم بدارسة النوم ليعلم مدى خطورتها..وبالنسبة لسعر الجهاز، أعلم أنه غالي ولكنه شىء هام في نفس الوقت..فقد يهمل أحدهم هذا الموضوع حتى يصاب بالضغط العالي ويظل طوال عمره يأخذ أدوية ضغط وقلب ويكون عرضة للأزمات القلبية، ناهيك عن مشكلة السمنة وما تسببه لحياة الانسان..اعتبره مقدم سيارة يا أخي! ولا نيش هتشتريه في شقتك مليان حاجات للمنظرة ولا حتى تأجير قاعة لحفل زفاف

على أي حال، اعتقد أن كل انسان لابد أن يسعى بكل طاقته ليعيش حياة صحية في حدود مقدرته طبعًا ولكن عليه أن يرتب اولوياته جيدًا ليعرف ما الذي يستحق الاستثمار فيه..أعلم أني أخطأت عندما غضبت وسخطت عندما كنت في العيادة وأعلم أني أخطأت أخطاء آخرى كثيرة ولكني أحاول أن أتعلم من كل هذا، والأهم أني أحاول أن أنظر لغيرى بكثير من الرحمة مهما كان ظاهر مشاكلهم..فكما قال دكتور مصطفى محمود “لو دخل كل مننا قلب الآخر لأشفق عليه”

لمراجعة كل المقالات السابقة

http://goo.gl/gnrfuy

 

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s