حدثتني صديقة عربية درست  في كندا منذ الهاي سكول (ثانوي) عن أن أكثر شىء كان محيرًا بالنسبة لها ولأهلها هو أن كل شهر لا يوجد ترتيب على الفصل..فقط يعطونهم درجات الامتحان وبالكثير جدًا متوسط درجات الفصل، ولكن لا يوجد طالب يعرف درجة زميله أو يستطيع أن يقيم نفسه من خلال غيره.. وغالبا التقرير الذي يكتبه المدرسون للأهل لا يشمل المستوى الدراسي فقط بل النواحي الاجتماعية والرياضية والأخلاقية الخ الخ.. قالت لي على قدر ما كان هذا مربكًا بالنسبة لنا ألا أني أتفهم أنه مريح للطلاب الذين مستواهم الدراسي متوسط أو أقل..على الأقل لا يكرهون المدرسة والتعليم بل يشعرون أنهم مهمين كغيرهم من الطلاب بشكل أو بآخر..”..سألتني “ولكن اعتقد أنه مضر للمتفوقين؟ أليس شعورهم بالانجاز وأنهم الأوائل سيدفعهم لمزيد من التفوق؟” أجابتها: “فرضًا أنه مضر لهم، كيف أضحى ب30 طالب من أجل 5 أو 1؟ واحد فقط يشعر أنه النجم المسلط عليه الأضواء والذي سيكون حامل نوبل التالي..من قال أن معلم الأطفال أقل فائدة للمجتمع من حامل نوبل؟ بدون معلم الأطفال لن يكون أصلُا هناك حاملًا لنوبل.. بل بدون رجل النظافة لن يكون هناك علماء ولا أطباء..كيف نصمم العملية التعليمية في بلادنا لتكون مدمرة نفسيًا لكل من هو ليس “الأول”؟

 

ولكني لم أخبرها بالجزء الآخر وهو كوني أنا شخصيًا كنت أحد هولاء النجوم الأوائل فأنا أعلم تمامًا كيف من الممكن أن يكون  النظام التعليمي في بلادنا العربية مدمرًا للمتفوقين …للغاية… في مدرستي الابتدائية كان هناك نظامًا لتكريم الأوائل منذ أولى حضانة في طابور المدرسة وإعطاء كل منهم نيشان بلون مختلف..الأول كان يحصل دائمًا على نيشان أحمر يحتفظ به قبل نهاية أمتحانات الشهر الذي يليه.. وكنت دائمًا الأولى ..جميع الشهور منذ أولى حضانة حتى خامسة ابتدائى باستثناء شهر واحد في ثانية ابتدائي طلعت فيه الثانية وطلعت بنت آخرى الأولى اعتقد أني كرهتها لباقي حياتي🙂 أريدك أن تتخيل أن تكون طفلًا من سكان بلدة صغيرة مثل دمياط وتسير في الشارع وجميع من يراك يعرف من لبس المدرسة أنك ترتاد المدرسة الخاصة الوحيدة في البلدة آنذاك وأن النيشان الأحمر الذي ترتديه يعني أنك الأول على فصلك…أليس هذا مدمرًا بما يكفي؟

وليت الأمر اقتصر على النيشان فقط، مثلا كان لدينا مدرس حساب يكتب المسألة على السبورة ثم يعطي كل طالب رقم حسب سرعته في الحل..وبعد خمس أرقام يتوقف عن التصحيح ليكتب مسألة آخرى وهكذا..كنت وقتها أعشق الحساب ربما ﻷني كنت حريصة أن يكون كشكول الحساب كله رقم (1) وكنت قادرة على ذلك ..ولكن من ناحية آخرى عندما تعاملت -فيما بعد -مع أطفال يعانون من صعوبات في التعلم وضعت نفسي مكان هولاء الآخرون الذين لم يحصلوا قط على أي علامة لبطئهم بل لم يكلف المدرس خاطره بالنظر في كشكولهم من أصله، شعرت أني لو كنت مكانهم لكرهت هذا المدرس وهذه المدرسة وكرهت هذه البنت -أنا- التي تجري على كل مسألة من أجل علامة (1) غير مراعية لشعور أي أحد في بالفصل…هذه البنت التي خلق فيها نظام التعليم هذا رغبة مجنونة في الجري وراء نيشان أحمر دائمًا وأبدًا. وكان من الطبيعي أن أكون من أوائل المحافظة في الابتدائية وأن يتم تكريمي من المحافظ في عيد العلم وأن تنزل صوري في الصحف من ضمن أوائل دمياط وأن يخبرني تقريبًا كل مدرس أنهم يتوقعون أن أكون يومًا وزيرة أو عالمة كبيرة وسيروني يومًا في التلفاز ويقولون هذه كانت طالبتنا..كانوا يقولون هذا المديح دومًا أمام بقية زملائي وفي وسط الفصل ﻷنهم يركزون فقط على النجمة والباقين غير مهمين بالمرة.

 

في الاعدادية قررت المدرسة تكوين فريق ﻷوائل الطلبة من أجل خوض هذه المسابقات العلمية بين المدارس وكنا لا نذهب للفصل بل نأخذ نحن الثمانية جميع الحصص في مكتبة المدرسة حيث يتم انتقاء أفضل المدرسين  ليشرحوا لنا كل صغيرة وكبيرة ويدربونا على الأسئلة الصعبة..مسابقة وراء مسابقة وفوز وراء فوز حتى حصلنا على كأس المحافظة وتم تكريمنا في طابور المدرسة بكئوس صغيرة..وإذا كانت هناك حسنة واحدة لكل ذلك فستكون أني كونت أول صداقات حقيقية في حياتي مع هولاء البنات وبعضهن ما زلن أصحابي حتى اليوم.. ولكني لم أنجح في أن أكون من أوائل المحافظة في الاعدادية..كنت الثانية على المدرسة وهو ما كان في تعريفي الفشل بعينه.

 

وفي الثانوية العامة، عرف الجميع  -وأولهم أنا -نجاحي أنه ليس في الحصول على مجموع كلية هندسة القاهرة التي أرغب فيها ولا بان أكون من أوائل المدرسة أو المحافظة بل أن أكون من أوائل الجمهورية.. في العشر سنوات الأخيرة لم ينجح أى طالب من دمياط أن يكون من اوائل الجمهورية..دينا! الآمال منعقدة عليكي..ربما لا يفهم سكان القاهرة كثيرًا ما أقوله ولكن إذا كنت من بلد صغيرة ستفهم معنى أن تكون الألفة، أن يتطلع من حولك أن يكون اسمك بجوار أعلام دمياط مثل بنت الشاطىء وشوقي ضيف ومصطفى مشرفة.. وﻷن أيام الثانوية العامة كان لدينا نظام تحسين، فقد كنت أحسن معظم المواد حتى تلك التي نقصت فيها درجة واحدة.. كنت أجري كالمحمومة في السباق.. ولكني أخفقت.. ..طلعت الثمانين على الجمهورية بفارق درجة ونصف عن العاشر ..نزل اسمي في الجريدة وتكرمت في عيد العلم من محافظ دمياط ولكن كل هذا كان بلا أي قيمة..ﻷني كنت أشعر بالفشل الشديد ﻷني لست هناك في التلفاز..

 

عندما استرجع هذه الأيام أشعر أني كنت هبلة جدًا..وأني كنت أجري في سباق لا معنى له؟ نيشان أحمر مثل نياشين المدرسة التي عرفوا بها النجاح بأسلوب خاطىء..نيشان لا يعني أي شىء في مقابل صحتي ونفسيتي واهتمامي بعائلتي وبقراءتي وبهوايتي التي أهملتهم من أجل المذاكرة.. ولكن مهلًا لقد كان عمري ستة عشر عامًا.. وهذا ما عودني عليه ..لست هبلة تماما ..ربما لست متمردة ﻷتمرد على النظام ..ﻷرفض أن أجري في السبق بكامل طاقتي..ﻷبحث لنفسي عن سبق آخر يناسبني مثل برامج الكمبيوتر التي عشقت برمجتها.. ربما كنت ضحية..ربما كان معظمنا ضحايا لهذا النظام التعليمي العقيم.

 

بدأت أفهم أن للناس قدرات مختلفة في إعدادي هندسة..كانت مادة الرسم الهندسي عذابًا حقيقيًا بالنسبة لي وحصلت فيها على جيد بالعافية ولكن الرياضيات والكمبيوتر قفلت امتحانهم والأسئلة الاضافية وكنت أعلم أني سأحصل على امتياز ربما مع الشكر🙂 بدأت أنتبه هنا أن فكرة “التت الفت البت” الذى يفهم كل شىء ويقدر على كل شىء ليست صحيحة..كل انسان خلقه الله بقدرات مختلفة وعليه أن يدرك هذا..كنت سعيدة عندما حصلت على امتياز في إعدادي هندسة فهذا سيكفل لي الالتحاق بقسم هندسة حاسبات الذي دخلت الكلية من أجله.. ولكني ما زلت أتذكر وأنا أكلم بابا في التليفون ﻷخبره بأني حصلت على امتياز فيسألني هل طلعت من الأوائل على الكلية؟ فأرد بخجل لا ثم أضع السماعة وأنفجر في البكاء لأيام ولا كأني ساقطة.. ربما كان بابا يسأل عادي ولكني اعتبرت عدم تحقيقي لما يتطلع له فشل آخر يضاف لاخفاقاتي السابقة. فشل في الحصول على النيشان الأحمر.

 

وهكذا مرت الحياة بي، كل مادة وكل وظيفة التحقت بها كنت أبذل أضعاف المجهود المطلوب…كنت أحيانًا أتساءل هل أنا ذكية أم حمارة شغل؟ على أي حال كنت لا أرضى ألا بالنيشان الأحمر والتقدير ممن يرأسوني..وبعضهم كان يدرك هذا فيضغط علي في العمل أكثر حتى يستغل كل طاقتي وكنت افعل هذا عن رضا أملا في لحظة تقدير.

ولكن كل هذا بدأ يتغير عندما سقطت في هوة الاكتئاب الأول الذي تحدثنا عنه< المرة السابقة وبدأت أحاول أن أخذ بالي من دينا وأحاول ألا أدفعها كثيرًا في السباق…حاولت أن أفهم نفسي أن لدي أكثر من سيرة ذاتية: تلك التي ساقدمها للوظيفة والتي تحوى الأبحاث والشهادات والتقديرات، وآخرى أكتبها بيني وبين نفسي تحوي اهتمامي بعائلتي وأصدقائي وهوايتي وخبرة الحياة التي اكتسبها.. كتبت عن هذا هنا

ولكن ظل بداخلي في معظم الأحيان الشخصية المثالية التي تريد كل شىء على أكمل وجه..وهذا كان أحد أسباب عدم قدرتي على الالتزام بأي ريجيم مكتوب كما قالت لي المعالجة النفسية أيضًا… فأما أن التزم بالمكتوب حرفيًا أو لا التزم بأي شىء.. لذا أعجبني في نظام عيادة التحكم في الوزن أنه لا يوجد أي نظام… فقط يعلموك كيف تختار طعامك وكيف تغير عاداتك والأهم كيف تتسامح مع نفسك ..كان هذا ملائمًا لطبيعتي بشدة

أعلم أن هناك بعض أقرابي الأصغر مني يقرأون هذه المقالات ولعلهم يندهشون أن من كانوا يرونها قدوة ومثل أعلى مرت بكل هذا..ولكن ألا يكفي الشباب ما يرونه أمامهم من أشخاص مثاليين يرتدون أقنعة طوال الوقت ويحدثونهم من برج عاجي عن القيم والأخلاق والتفوق؟ ألن يكون مناسبًا أكثر أن يعرفوا أننا بشر وأننا نسقط أحيانًا وأننا نضعف أحيانًا آخرى وأننا ندفع الثمن.. كل متفوق سواء كان متفوقًا رياضيًا أو علميًا أو حتى دينيًا يدفع الثمن…وأحيانًا يتمنى لو كان شخصًا عاديًا للغاية، مجرد موظف بسيط لا يدري به أحد.. ولكن إذا كنت ناصحة أحد بشىء فهو أن يختار ما الذي يستحق أن يدفع الثمن من أجله.. أن يراهن على الأسهم الصحيحة…فليكن نشانك الأحمر أن تقضى وقت أطول مع أولادك أو أن تكون مدرسًا متقنًا لعملك أو أن تكون عالمًا أو أن تكون حتى عامل نظافة..فليكن ما يكون..ليس المهم أن تظل تجري في سباق محموم من أجل شىء يريده من حولك، المهم أن يكون سعيك هذا في سبيل ما تريده وتحبه أنت..صدقني نظرة التقدير إذا لم تكن نابعة من نفسك تجاه نفسك فلن تجد أبدًا من يقدرك وستظل تجري جري الوحوش من أجل سراب اسمه النيشان الأحمر.

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

One response »

  1. hanan قال:

    لكن كل هذا بدأ يتغير عندما سقطت في هوة الاكتئاب الأول الذي تحدثنا عنه< المرة السابقة وبدأت أحاول أن أخذ بالي من دينا وأحاول ألا أدفعها كثيرًا في السباق…حاولت أن أفهم نفسي أن لدي أكثر من سيرة ذاتية: تلك التي ساقدمها للوظيفة والتي تحوى الأبحاث والشهادات والتقديرات، وآخرى أكتبها بيني وبين نفسي تحوي اهتمامي بعائلتي وأصدقائي وهوايتي وخبرة الحياة التي اكتسبها.. كتبت عن هذا هنا

    اهى الغرب عايش كده بالضبط سباق محموم —¦ يؤدى الى اكتئاب نابع من فراغ الحياة من اصل الحياة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s