عندما قرأت أن حوالي 1 من كل 4 أشخاص قد أصيب بمرض نفسي لم أندهش، فإن حوالي نصف من أعرفهم قد أصيبوا بالاكتئاب على الأقل مرة في حياتهم، ولكن لسبب ما فإننا نتعامل مع الاكئتاب على أنه سر من أسرار الكون العظمى..عادة لا يصرح مريض الاكتئاب بمرضه إلا لأقرب المقربينimages، ربما ﻷن معظم الناس لا يفهمون ولا يعرفون كيف يتعاملون مع المرض العقلي… إذا أخبرت أحدهم أنه قد كسرت رجليك أو أصبت بنزلة شعبية أو بمرض في القلب، فإن الناس يستوعبون هذا جيدًا، يتعاطفون معك، يأتون لك بالهدايا والورود، يساعدونك في مهام حياتك، يقرضونك أموالًا من أجل العلاج، تستطيع أن تأخذ أجازة مرضية من عملك بسهولة.. الكل يفهم المرض الجسدي ولا يلومك حتى لو أنت السبب فيه..فمثلا قد تكون تهورت في لعب الكرة فكسرت قدمك..نعم أنت السبب ولكن الآن هناك قدم مكسورة لابد من معالجتها وهناك انسان لن يستطيع ممارسة حياته بصورة طبيعية، فلابد أن يقف الآخرون بجواره.. ولكن مع الاكتئاب، عادة يتركك الناس تواجهه وحدك وربما يعطونك بعض النصائح مثل خذ أجازة أو بطل توتر وهي نصائح أكثر استفزازًا من تجاهل المرض نفسه.

الاكتئاب هذا السر المدفون بيننا…أصبت به مرتين..المرة الأولى في أثناء كتابة رسالة الماجستير الخاصة بي..فجأة وجدتني في حالة غريبة من التناحة..أجلس بالساعات غير قادرة على فعل أي شىء ..أحيانًا أحدق في السقف..وأحيانًا تأخذني الخيالات وأحلام اليقظة..تمر الساعات أمامي بلا هوادة..لا أجد نفسي قادرة حتى على الصلاة أحيانًا…لا أعرف كيف أخذت قرارًا برؤية طبيب نفسي وعندما ذهبت هناك، أخبرني أني مصابة بالاكتئاب..وشرح لي أن الاكتئاب يغير من كيمياء المخ وليعود كل شىء لسابقه لابد أن أخذ مضاد للاكئتاب بجانب الجلسات النفسية ..لم أخبر أي شخص في البداية..ثم أخبرت صديقتي المقربة وأختي وأبي وظل الأمر سرًا على أمي حتى لا ترتاع…أتذكر يومًا كان مشرفي في الماجستير يوبخني بشدة ﻷني لا أعمل في الرسالة كسابق عهدي، ويقول لي أنه كمن صنع تورتة رائعة ثم يهيل عليها الآن التراب بإهماله..ظللت أسمع تقريعه وأنا لا أعرف كيف أرد بأني مريضة بالاكتئاب وأني لا أستطيع العمل وأن ما يقوله الآن يزيد الأمر سوءًا.. أعلم أنه ان يريد صالحي ولكني كنت خجلة من أن أعلن الأمر، فضلت أن يظن أني كسولة أو مقصرة بدلًا من يعرف أني مريضة نفسيًا.. بعدها قمت بتأجيل ميعاد مناقشة الماجستير ليصبح أمامي وقت أطول وذهب للمصيف في الساحل، وبدأت أتحسن مع الدواء وبعض من الرياضة…ربما بعد 4 شهور قررت أني لا أحتاج للدواء وأني أصبحت بخير وناقشت الماجستير والحمد لله ثم بدأت مشوار الدكتوراة

 

طوال الوقت كنت أشعر كأن أحدهم يمسك بخنجر في ظهري وعلى وشك طعني في أي لحظة، كنت أخاف بشدة أن أصاب بالاكئتاب مرة آخرى..أن أقع في هذه الهوة السحيقة من فقدان التوازن والمشاعر السلبية.. لذا كنت أفعل كل شىء ممكن حتى لا أذهب هناك، ومن هذه الأشياء الكتابة..كنت أشعر أن عقلي كالحصان الجامح إذا تركته سيفلت مني، محاولة صياغة الأفكار في شكل أدبي كانت تكبح لجام هذا الحصان وتعيده إلى حظيرته ليسير في هوادة.. كثيرون كانوا يرون أني أضيع وقتي في الكتابة وأني مهندسة كمبيوتر وأدرس في الجامعة وهذا الوقت الذي أضيعه أولى به رسالة الدكتوراة..ولم أكن أعرف كيف أشرح لهم أنه بدون الكتابة لن يكون هناك لا دكتوراة ولا دينا… رأيت أمامي حالات أصيبت بالفصام كنتيجة للاكتئاب الجسيم..رأيت حالات حاولت الانتحار..كنت أخاف من الاكئتاب وما يمكن أن يصل إليه..لذا كانت الكتابة هي طريقتي حتى لا أسقط في الهوة السحيقة مرة آخرى.

 

ظلت حوالي 6 سنوات على هذا الحال، أيام جيدة وآخرى سيئة.. ولكن الوضع كان محتمل إلي حد كبير رغم حدوث أكثر من أزمة عاصفة في حياتي ولكن الحمد لله الذي جعلني أتماسك في خلالهم وحباني بالصحبة الصالحة التي جعلتني أتجاوزهم بدون أن أصاب بالاكتئاب… حتى كان يوم 30 يونيو، لا أريد أن أكتب عن السياسة في هذه السلسلة ولكن المختصر أني عرفت من يومها أن الثورة ضاعت وبشكل ما تنبأت أن الأخوان والثوار وكل من سيتكلم كلمة حق في مصر سيكون مصيره القتل أو المعتقل، وهو ما حدث بالفعل.. كان السيسي يخطب يوم 3 يوليو وأنا نائمة في السرير غير قادرة على سماع أو رؤية أي شىء..ثم أتخذت واحدًا من أغبى قرارات حياتي.. سأمتنع عن الكتابة وعن الفيس بوك وسأركز في الدكتوراة والعلم وفقط… وعندها انطلق الحصان الجامح في عقلي مرة آخرى..ولأني كنت أمنعه من الكتابة التي تلجمه، ظل ينطلق وينطلق ..ثم حدثت أزمة عائلية، جعلته يقفز عاليًا.. ثم حدثت عدة مشاكل في رسالة الدكتوراة، جعلته يسقط في الهوة السحيقة مرة آخرى..وعندما جاء شهر ديسمبر كان وزني قد زاد حوالي 15 كيلو جرام في ستة أشهر فقط… وبدأت أدرك أني أصبت بالاكتئاب مرة آخرى وأني لابد أن أفعل شيئًا حيال ذلك.

 

عندما ذهبت لعيادة التحكم في الوزن، قامت الطبيبة بسؤالي عن إذا ما كنت تعرضت لأي أزمات نفسية مؤخرًا..وعندما قلت لها أني من مصر، لم تحتاج لكثير من الشرح..عرضت علي أن أخذ مضاد للاكتئاب حتى استطيع أن استعيد توازن نفسي..رفضت في البداية كنوع من الإنكار وقلت لها اعتقد أني استطيع أن أكون على ما يرام..أعطتني فرصة للتفكير أسبوعين.. في هذه الفترة رأيت محاضرة لتيد اسمهاDepression, the secret we shareوفيها تحدث الرجل عن تجربته مع الاكتئاب وكيف أنه فعلا ربما تستطيع بذاتك التغلب عليه في عام أو عامين، ولكن هل لديك كل هذا الوقت؟ الاكتئاب يؤثر على عملنا وعلى علاقتنا الشخصية بل على علاقتنا بالله.. الكثير من المشاكل الزوجية التي قد تصل للطلاق تحدث بسبب اكتئاب أحد الزوجين مثلا..فكرت أن وزني قد وصل لمعدلات خطرة وأنه يبدو أني لا استطيع التحكم في ذلك بسبب الاكتئاب..فكرت أن دراستي متأثرة بشدة ولا استطيع القيام بها..حتى علاقتي بأصدقائي بدأت في التأثر.. الله خلق الداء والدواء، فلماذا أرفض؟

 

أتعلم عندما ينتهي البنزين من السيارة وتقف عن الحركة تمامًا؟ تحتاج عندها لبعض الوقود حتى تسير ﻷقرب محطة بنزين..مضاد الاكئتاب هو ذاك الوقود الاضافي الذي يساعد المخ على استعادة بعض طاقته ليبدأ في العمل مرة آخرى.. لذا في النهاية واقفت على أخذ الدواء وخاصة بعد استشارة طبيبة الجامعة التي أكدت هي الآخرى أني مصابة باكتئاب حاد …كان أول أسبوعين من الدواء من أصعب ما يكون بسبب الأعراض الجانبية من دوار ورغبة في القىء وصداع مستمر حتى تأقلم الجسم على الدواء وبدأت أتحسن بالتدريج… بدأت في الامساك باللجام مرة آخرى شيئًا فشىء والحمد لله.. بدأ كل من حولي يلاحظون تحسنًا في وجهى وفي حالتي المزاجية وفي كلامي..ولكن من جانب آخرى ما زلت أتذكر كيف كانت الهوة..ما زلت أتذكر وانا أجلس لساعات طويلة على الكرسي محدقة في الحذاء وغير قادرة على ارتدائه والذهاب للعمل..ما زلت أتذكر أكوام الغسيل وأطباق المواعين والبيت الذي يقترب شكله من الزربية..ما زلت أتذكر كل هذا جيدًا وما زلت أشعر بوجود هذا الشخص الذي يحمل الخنجر واقفًا متأهبًا ليطعني مرة آخرى ويلقى بي في الدوامة..

 

عندما سألت طبيبي الأول عن احتمال أن اصاب بالاكئتاب ثانية، قال لي أن الأمر مثل البرد، هل من أصيب بالبرد لن يصاب به ثانية؟ ربما نعم وربما لا.. أحاول أن أفكر أني الآن أفضل كثيرًا والحمد لله ولا يهم إذا ما كنت سأصاب بنوبة اكتئاب ثالثة أم لا..المهم أني الآن إلى حد ما مستقرة نفسيًا واستطيع أن استغل هذه الفترة في أشياء كثيرة ..أحاول ألا أقلق على مستقبل ليس بيدي..أحاول كثيرًا أن أتجاهل الرجل ذي الخنجر وأحاول أكثر أن أكبح لجام حصان عقلي بالكتابة…الحقيقة أني لا أكتب فقط لأفيد الناس أو لأتواصل معهم، بل أني كثيرًا ما أكتب حتى لا أسقط في هوة المرض النفسي أو حتى أحاول أن أطلع منها. هو ابتلاء بلا شك ولكني أرى في قلب المحنة منحة…منحة من الله لكي أفهم وأعذر الناس …منحة من الله حتى أعبر عنهم بشكل وبآخر..منحة حتى لا أتكبر بعلمي إذا حصلت يومًا ما على الدكتوراة وأقول إنما أوتيته على علم عندي..منحة ﻷدرك كم أنا ضعيفة وأن عقلي هو هبة من الله لو شاء ﻷخذه في لحظة..وأن هناك أشياء كثيرة أهم من وزني وشكلي والناس وما يقولونه…فاللهم لك الحمد على كل شىء

 

 

 

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

4 responses »

  1. Khaoula Gh كتب:

    صادق جدّا ! بارك الله فيكم و لكم و نفع بكم و عافاكم..

  2. Hitham Samir Marghany كتب:

    يا بشمهندسة دينا انا جاتلي نفس الحالة من حوالي 4 شهور فاتو كنت بتنح بطريقة غريبة، ومخي كأنه معطل عن التفكير، وده بسبب ازمة عائلية، وكان عقلي الباطن يحدثني اني فعلا احتاج للذهاب للطبيب النفسي والذي سيكون هو الشخص الوحيد الذي استطيع ان احدثه بمطلق الحرية بلا قيود ولكن للاسف لم يكن عندي ما امتلكتيه من قدرة على اتخاذ القرار بالذهاب للدكتور النفسي…. شفاكي وشفانا الله اجمعين

  3. hanan كتب:

    اهو انا زى حضرتك بالضبط – بس اكيد حضرتك اشطر كتير منى -اكتئاب —.وصلت معى الى رسم وبعد كده للكتابه بس للاسف يمكن انى اقل شجاعة او اقل قدرة على الكتابة…
    ربنا يهدى كل الناس للى يرضيها بيه ويرضى الله عنا.

  4. anonymous كتب:

    نقطة مهمه جدا انت ذكرتيها انك شجعتى عاللجوء للدوا (مضادات الاكتئاب) … ﻷن كذا حد نصحنى أحاول أعدى من غير مااخد دوا، ﻷنه “بيلعب فى كيميا المخ” وممكن يبقى ليه أثار جانبيه نفسيه..وده ادى لاضطرار الواحد انه دايما يخرج عن كل الطرق اللى كان ماشى فيها لحد مااﻷزمه ماتعدى..
    ايه الصح؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s