أول شخص أصيب بالسكري في عائلتي كانت أحدى خالتي – ربما منذ 15 عام- ما زلت أتذكر أمي وهي تبكي بجوار التليفون عند سماعها الخبر..ثم توالى سقوط الأقارب من الجهتين واحدًا تلو الآخر بداء السكري، منهم أمي التي نامت في أحد الليالي حزينة من أمر ما واستيقظت ووجهها منتفخ تماما وبعدها عرفنا أنه أصابها السكر..أعلم أن مرض السكر ينخر في عظم الإنسان كما تقول أمي ولكن أعلم أيضًا أن الأصعب من المرض احساسك بأنك بشكل ما السبب في ذلك  (تتذكرون أول مقالة في هذه السلسلة؟)

ثم من خمس سنوات سقط أبي فجأة في غيوبية واكتشفنا أنه مصابًا بالسكر أيضًا وتم نقله للمستشفي..كنت أتحدث مع مديري في العمل أني بحاجة لأيام أجازة ﻷن أبي مريض، تجاذبنا الحديث ففقد كان قد رأى معظم أفراد أسرتي في مناسبة اجتماعية ويعلم أن معظمنا مصابون بالسمنة المفرطة ,عندما علم أن أمي كذلك مصابة بالسكر، قال لي إذن هناك احتمال 100% أن تصابي بالسكر أيضًا..قلت له أني أقوم بتحاليل دم دورية ولا يوجد لدي أي بوادر لذلك..قال لي ولكن ستصابين به حتمًا في يوم من الأيام..طبعًا وقتها تخيلت نفسي بل وأخوتي وكل منا مكان أبي يومًا ما في المستشفي..وكل منا مضطر أن يأخذ حقنة أنسولين يوميًا..هذا قدرنا بنسبة 100% جياتنا الوراثية ستجعلنا مصابون بالسكر حتى لو أنقصنا أوزانا..

وبناء عليه كان التفكير المنطقي أني لا يمكن أن أنجب أطفالا في يوم من الأيام..لا أريد مزيدًا من الأطفال البدناء التعساء في هذا العالم..كلمني أبي في التليفون بعدها بمدة قصيرة ليخبرني أن أحد معارفه تبحث عن عروسة لقريبها ولكنه مصاب بالسكر فقلت له أنسى الموضوع بدون أن أعرف أي شىء عن العريس.. إذا كان احتمال أصابتي بالسكر 100% فماذا سيكون الأمر بالنسبة ﻷولادي لو تزوجت شخصًا مصابًا بالسكر؟

المهم لم يكن الموضوع أزمة كبيرة ﻷني أصلا كنت شبه مقتنعة أنه من الصعب أن أجد شخصًا يتجاوز عن بدانتي ويتزوجني..ليس هناك مشكلة لدي عملي ومذاكرتي وأخواتي وعملي التطوعي في رسالة، هناك أربي أطفال أيتام يشبعون لدي عاطفة الأمومة وأكسب ثواب..كذلك بدأت صديقاتي واحدة تلو الآخرى في الزواج والانجاب، كنت أفرح كثيرًا لكل منهن وكأني أنا من أتزوج وأنجب..أطفالهن مرتبطين بي بشدة لدرجة أنهم من الممكن أن يتوقفوا عن البكاء إذا ذكرت فقط أمهن اسمى أمامهم..عدم الزواج والانجاب بالنسبة لي كان قدرًا علي تقبله.. عندما كنت أحاول أن أنقص وزني كنت أفكر أني أفعل هذا من أجل صحتي فقط ولكني كنت أظن أني حتى لو انقصت وزني فلن اتزوج وأنجب حتى لا تنتقل الجينات ﻷولادي.

ولكن ظل هناك شيئًا محيرًا داخلي وهو إذا كانت جيناتنا تتحكم فينا هكذا فكيف يكون الله عادلا عندما يحاسبنا؟ يقولون أن هناك جينًا مسئولا عن الشذوذ الجنسي ولذلك في الغرب قد يتم سجنك إذا قلت لشخص شاذ جنسيًا أنه غير طبيعي أو فقط نظرت له نظرة اشمتزاز..وقد تعاملت في الجامعة مع بعض الأستاذة والطلبة الذين يعلنون بصراحة أنهم شواذ ولديهم أزواج من نفس الجنس..وهو شىء كان يسبب لي ارتباكاً شديدًا..أحدهم لابد أن يكون خطئًا العلم أو الدين وهذا من أكبر الأسباب التي تدفع كثير من المسلمين الذين يدرسون العلوم في الغرب للإلحاد (ولهذا حديث آخر)

المهم أني بدأت اكتشف أن المشكلة أن العلم الذي لدينا ليس كاملًا ..بمعني أنه حاليًا يبدو أن هناك تعارض ولكن شيئًا فشىء يكتشف العلم حقائق آخرى فيتضح أنه لا يوجد تعارض..لتبسيط الأمر عندما تم اكتشاف أن الأرض هى التي تدور حول الشمس، ثار الكثيرون وقالوا أن هذا تعارض مع لفظ القرآن الصريح “والشمس تجري لمستقر لها” وهناك قتاوي لابن باز وابن عثميين تحرم بل وتكفر من يقول أن الأرض هي التي تدور ويصرون أن الشمس هي التي تدور، ثم هناك تلك المؤامرة الكونية أن الغرب يقول بهذا لاثبات أن الاسلام والأديان غير صحيحة..المهم بصرف النظر العلم اكتشف بعدها أن الشمس تدور حول المجرة وبذلك يكون لفظ القرآن صحيحًا وكذلك ما توصل له العلم آنذاك.

فعودة لموضوع الجينات التي تتحكم في قدر الانسان وسلوكياته وأمراضه، كيف نضع هذا بجوار مسئولية كل مننا عن نفسه أمام الله؟ كيف نضع هذا بجوار “ألا تزر وازرة وزر آخرى”؟  ما ذنب امرأة تم اغتصابها من مجرم أن يكون ابنها مجرمًا كأبيه ﻷنه انتقل له جين الاجرام مثلا؟ وكيف سيحاسب الله هذا الابن وكيف سيحاسبني أنا بنفس المقياس وأنا لست لدي هذا الجين؟ هل هذا عدلًا؟

ومن هنا بدأ بعض علماء الدين يرفضون تماما مفهوم الجينات هذا ويقولون أن البيئة هي التي تتحكم في الإنسان، في كونه صالح أم طالح..ولكن بعض الدعاة الجدد التي تفتحوا على الغرب حاولوا الموازنة بين المفهومين فمثلا هناك لقاء لمعز مسعود عن الشذوذ الجنسي يقول فيها أنه غالبًا  أساسه جين كما يقول العلم ولكنه أيضًا ابتلاء ولابد أن يبذل من هو مصاب بهذا الابتلاء مجهودًا مضاعفًا ليقاومه ولا يتقبل طبيعته هكذا وسوف يأجره الله أكثر بكثير ﻷنه يحاول..الأمر يشبه لحد ما متوسط الذكاء الذي عليه أن يذاكر أضعاف أضعاف زميله الذي حابه الله بذكاء فطري يجعله يحصل على امتياز بالنظر فقط للورق ليلة الامتحان.

هذا يبدو جيدًا للغاية: هناك الجينات وهناك البيئة..إذن استطيع أن أتحكم في بيئتي ﻷنقص وزني أو أمنعه من الزيادة وكذلك قد استطيع أن أحمي نفسي من مرض السكر ..حسنًا لن أكون يومًا في عود نانسي عجرم بسبب الجينات ولكن ربما سأكون في عود ليلى علوي.. ولكن من جهة آخرى يبدو أني لن استطيع أن أحمي أولادي وأحفادي..ستنتقل إليهم اللعنة (أو لنقل الابتلاء ) عن طريق الجينات وسيكون عليهم كذلك بذل مجهود مضاعف طول عمرهم حتى لا تزيد أوزانهم وربما لا ينجحون في هذا قط.

وإذ فجأة اكتشف العلماء شىء آخر بخلاف الجينات والبيئة، بل هو مؤثر أكثر منهما بكثير..هذا الشىء الذي جعل أحدى صديقاتي المصابات بالسكر تنجب طفلين أصحاء  تماما والحمد لله… يسمونه الأيبيجينيات epigenetic وهو عبارة عن مجموعة من الصمامات تحيط بالشريط الوراثيDNA وتساهم في اطفاء الجينات أو تشغليها..بمعنى آخر أنها يمكنها أن تغير من عمل شفرة الشريط الوراثي بحيث تلغي عمل الجينات تماما المسئولة عن السمنة ، بل والأهم من ذلك يتم توارث هذا للأولاد والأحفاد…يعني تختفي اللعنة بدون الحاجة لمنع المصابين بها من حقهم أن يكون لديهم أطفال.

لتبيسط هذا: تخيل أن لديك تليفزيون يستقبل اشارة الارسال من الدش ولكن لديك بعض المفاتيح في الجهاز التي تستطيع بها أن تغير الألوان أو اهتزاز الصورة أو تقوم باخفائها تماما..أنت لم تغير في اشارة الارسال التي بثتها المحطة التليفزيونية، أنت غيرك في طريقة عرضها على جهازك..هذا ما تفعله الأبيجينات، هناك جينات ورثتها عن أبويك (مثل اشارة التليفزيون)، الأبيجينات قد تغير تأثيرها  مثل مفاتيح التلفاز

لتوصيح هذا الأمر قاموا بتجارب على فئران مصابة بجين مسئول عن جعلها سمينة وصفراء وعرضة للأمراض، هذه الفئران تنجب فئران صغيرة مسكينة مثلها تماما مصابة بنفس الجين ويتم توارث ذلك عبر الأجيال..ولكن بالتحكم في الإيبجينات أثناء حمل الفارة المصابة بجين السمنة هذا، أنجبت فأرا صغيرًا رماديًا ليس لديه هذا الجين وأنجب هذا الفأر فيما بعد فئران أصحاء..

إذن فكيف تحكموا في الأبيجينات هذه؟ فقد بجعل الفارة الأم تأكل أكلا صحيًا أثناء فترة الحمل. وهذا بالفعل ما فعلته صديقتي المصابة بالسكر أثناء حملها، تابعت مع عيادة متخصصة في كل شىء: ما يجب أن تأكله وما يجب أن تقوم به وحالتها النفسية الخ الخ وكل هذا حتى تسيطر على أبيجينات جين السكر لديها فلا ينتقل ﻷولادها.

يقول العلماء أن فترة الحمل والرضاعة خاصة أول أسبوع في حياة الطفل كفيلة بالسيطرة على الكثير من الأبيجينات وتغيير الشريط الوراثي للجنين سلبا او ايجابًا..بل أن ما يحدث قبل لحظة التقاء الحيوان المنوي بالبويضة من شأنه أن يؤثر على الأبيجينات.. وبذلك يكون ما يأكله الأب أيضًا وإذا ما كان مدخن أو لا، مؤثر بشكل ما في الحيوان المنوي بشكل يؤثر على أبيجينات الجنين.

ولكن ماذا عن هولاء اللقطاء الذين رمتهم امهاتهم في الشوارع وبالتأكيد كانت فترة حملها مليئة بالتوتر وربما التدخين والمخدرات والأكل غير الصحي؟  هل حكم عليهم بالشقاء للأبد؟

اكتشف العلم مؤخرًا أنه يمكن التحكم في الأبيجينات هذه حتى وإن كبر الإنسان في العمر وما هو ما يعرف بالتغيير الغير الوراثي.. الأكل الصحي والرياضة والبعد عن التوتر و البعد عن التدخين والمخدرات، كل هذا من شأنه أن يغير من تأثير شفرتنا الوراثية مما يؤثر ليس فقط على أولادنا بل أحفادنا وأحفاد أحفادنا..

بل أن هناك الكثير من التجارب الآن عن كيفية التحكم عن طريق الدواء في الأبيجينات لتغيير تأثير الصفة الوراثية للخلايا التي تسبب متلازمة دارون أو الاكتئاب أو السرطان.. وبذلك بدلا من علاج السرطان كيمياويا بالقضاء على الخلايا المصابة به، يتم علاجه عن طريق تغيير الأبيجينات وتذكرة الخلايا بكيف تكون خلايا صحية. والأهم من ذلك أنهم اكتشفوا أنه ربما 90% من أسباب السرطان بسبب الأبيجينات تلك، أي بسبب البيئة المحيطة بالانسان من لحظة التقاء الحيوان المنوي لوالده بويضة والدته حتى فترات الحمل والرضاعة ثم بعد ذلك عاداته الغذائية والصحية وحالته النفسية والأهم من كل هذا: كيفية تعامله مع مؤثرات البيئة تلك..بمعنى أنه قد يحدث نفس الحدث لتؤأمين لهم نفس الصفة الوراثية ولكن أحدهما يستقبله ويتأثر به نفسيًا بشكل مختلف عن الآخر مما يؤثر على إبيجيناته سلبًا أو ايجابًا وقد ينتقل هذا التأثير فيما بعد لأولاده وأحفاده.

لذا فقد اكتشفت مؤخرًا أني كنت أفكر بطريقة خطأ تماما..كنت أقول حتى لو انقصت وزني فأولادي محكوم عليهم بالسمنة والسكر، والحقيقة هي العكس وهي أني لو أكلت أكل صحي ومارست الرياضة وبعدت عن التوتر فغالبًا إن شاء الله سيتم تغيير الأبيجينات المحاطة بالشريط الوراثي وسيكون أولادي وأحفادي أصحاء حتى وإن لم أنقص وزني مطلقًا. فبدلًا من أركز على وزن نفسي يوميًا أو أسبوعيًا وأتوتر ﻷني غير قادرة على التحكم فيه، علي أن أركز على تغيير العادات الغذائية والصحية وأن يكون هذا هدفي بصرف النظر عما يقوله الميزان وما يقوله الناس، متحلية في كل هذا بالرضا عن كل ما فات كما تحدثنا المرة السابقة فالتوتر والاكتئاب بمفرده قد يكون عاملًا كبيرًا في خلل الأبيجينات

فالملخص أن العلم أخيرًا اكتشف أن سلوك الإنسان لا يؤثر فقط على التحكم في طبيعته بل وفي توارث هذا للأولاد والأحفاد، بمعنى آخر أن الجينات لا تشكل بمفردها قدر الإنسان، وبذلك تكون فكرة الحساب والجنة والنار -على الأقل لاجبار الأشخاص على التغيير عادلة تماما، ﻷنهم لو تغيروا سيغيرون أجيالا ورائهم فلا يستمر الخلل للأبد وطبعًا الأجر على قدر المشقة كما قال معز مسعود عندما شرح ابتلاء الشواذ جنسيًا… هل كان لابد أن نلف هذه اللفة الطويلة لنثبت كل هذا؟

ملحوظة: لست متخصصة في الأحياء والبيولوجي فنرجو من السادة الزملاء المتخصصين المساهمة في المناقشة وتصحيح الأخطاء إذا وردت

 

 

المراجع:

 

1- Obesity and Epigenetics: The Bigger Picture

2- Epigenetics and the influence of our genes: Courtney Griffins at TEDxOU

3- Allah’s scale is multi-variate!!!

4- علم الوراثة اللاجيني

5-  Chromosome 11 – Epigenetics: creating meaning in the blueprint 

6- Bruce Lipton, Ph.D. Epigenetics: The science of Human Empowerment

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

4 responses »

  1. […] تسبب السمنة أو السكر أو غيرها من الأمراض كما تحدثنا المرة السابقة ولكن مرة آخرى وٍسأعيدها ثانية: إذا كانت الرياضة مؤلمة […]

  2. […] تسبب السمنة أو السكر أو غيرها من الأمراض كما تحدثنا المرة السابقة ولكن مرة آخرى وٍسأعيدها ثانية: إذا كانت الرياضة مؤلمة […]

  3. Schwarzed قال:

    تاثرت جدا لما كتبتي في انك من المنطقي انك لا تتزوجي وانك تقبلت كون ان الكثيرين ربما لن يتقبلوا فكره “السمنه”. و انا اشعر بك حقيقه فقد مررت بمعاناتك لكن بشكل مختلف بالاضافه الي نوع اخر من الادمان غير ادمان الطعام. و قد اتخذت قناعه اني لن اتزوج حتي لا تعاني زوجتي بسبب ادماني! واني اولادي ربما يصبحوا مثلي لما سيكتسبوه مني من جينات ادمانيه (ان صح التعبير) و التي ورثتها عن ابي و جدي المدمنان ايضاً! لكن الله رحيماً بعباده! فمع استسلامي المطلق لكوني غير قادر علي مكافحه ادماني وحدي دون الله عز وجل! رضيت ان يكون ادماني هو جذء مني حتي اتعافي منه ان أذن الله بذلك! وان رغبت في امرأه ان ترتبط بي ، فسوف اصارحها بطبيعه ادماني ولها الاختيار…لان من ارتضت اولا ان اكون لها زوجاً بناءاً علي صفات خلقيه و شكليه فهي نتاج سنين معاناه مع الادمان!
    وان لم يحدث ذلك ورفضت بسبب طبيعه ادماني فانا مع الله فهو خالقي بكل ما اتيت من ميزات و عيوب، هو دائما يتقبلني ولن يخذلني ابداً!!!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s