سألني بعض الأصدقاء إذا كانت أمي قد قرأت المقال السابق وكيف كان رد فعلها؟

حسنًا ماذا تتوقعون؟ بالطبع بكت، ولكن لا يبدو أنها اقتنعت بكلامي بالكف عن لوم نفسها أنها السبب في سمنتنا.. قالت لي أعرف أني السبب ..لقد كنت أطعمكم كثيرًا من الشيكولاتة والحلويات في كل وقت، ربما منذ كان عندكم ستة أشهر…كلما بكيتم بسبب أي شىء كنت أعطيكم حلويات..كنت أكافئكم بالحلويات..كذلك كنت أطعمكم كثيرًا من الأرز والشوربة والبطاطس وأقول لكم كلوا حتى تكبروا.. لقد عودتكم أن الأكل مصدر سعادة ..لذلك عندما أراكم الآن تهربون لأكل السكريات كلما واجهتكم مشكلة، أعرف جيدًا أني من غرست هذا فيكم..

ليس هذا فقط فقد كنت أخاف عليكم بشدة..أخاف عليكم أن تجرحوا أنفسكم ..كنت أخاف أن تتحركوا كثيرًا أن تقفزوا كالأطفال، أن تركبوا عجلًا..كنت أخوفكم من كثرة الحركة حتى لا تتأذوا..فأصبحتم تجلسون ساعات طويلة أمام التلفاز أو الكتب أو في المذاكرة بدون أي نشاط حركي…حقًا أن النشاط الوحيد الذي أندمجت أنا وأخواتي فيه هو عزف الموسيقى (ربما ﻷنها ليست خطرة جسديًا) كنا نعزف في طابور المدرسة وندخل مسابقات الموسيقى وأول مبلغ مالي أدخرناه اشترينا به أورج أحمر ما زلت أتذكر شكله. ربما كانت أمي السبب كما تقول وربما كانت فقط هذه ميولنا ..أتذكر أني أنا من قلت ﻷهلي أني أريد أن أخذ كورسات انجليزي وكمبيوتر في الصيف..كنت أبرمج منذ الصف الثاني الإعدادي وكلما سألني أحد ما تريدين أن تكوني عندما تكبرين، كنت أخبرهم بكل ثقة مهندسة كمبيوتر..بالاضافة أني كنت دودة قراءة..لم أترك كتابًا في مكتبتنا لم أقراه، حتى ورق الكتب الذي كانوا يلفون فيه الأكل كنت أقرأه… هل لأمي يدًا في عدم تفضيلي لعب الرياضة والحركة كما تقول أم أن هذه فقط أنا كما خلقني الله أم ربما كان خليطًا بين هذا وذاك؟

سألت أمي سؤالًا ..ماما هل كنتي تعرفين عندما تطعمينا الشيكولاتة والأرز وتخافين علينا من الحركة عواقب ذلك الأمر؟ هل كنت تدركين تأثير هذا علينا بعد 10 أو 20 أو 30 سنة ورغم ذلك فعلتيه؟  قال لا ولكن كان لابد أن أعرف هذا..قلت لها كيف؟ كيف كان يمكنك أن تعرفي؟ هل أطلعتي على الغيب؟  وحتى لو كنتي تعرفين ماذا نستطيع أن نغير الآن؟ هل استطيع أن أرجع طفلة ونعيد كل شىء من الأول؟

 

حقًا أن الشىء الوحيد الذي في أيدينا أن ننشر الوعي، أن نساعد الآباء والأمهات على تجنب هذه الأخطاء على قدر المستطاع..والأهم من هذا كله هو فكرة الرضا..لقد قرأت بالأمس مقالا على موقع “ميد بادي جرين” عن الرضا خاصة عن الأمور التي ليس في يديك التحكم فيها الآن.. ورغم أن كاتب المقال ليس مسلمًا إلا أنه لمس كثيرًا من تعاليم الإسلام في مقاله لذا سأحاول أن أربط بين ما قاله وما لدينا… يقول الكاتب أنه ذهب لمعالجة نفسية ليتحدث معها عن مشكلة علاقته السيئة بوالده وهناك قالت له أنه عليه أن يرضى أو يتقبل أن علاقته بوالده  لم وربما لن تكون أبدًا جيدة كما يتمنى في خياله.. لم يفهم ولكن مع تقدمه في العمر فهم أن كثيرًا من الألم الذي يعانيه كان بسبب شىء يود أن يتحقق بشدة ولكنه خارج نطاق سيطرته أغلب الوقت..في البوذية يقولون أن مقدار المعاناة = الألم مضروبًا في مقاومة الألم.. بمعنى أن الألم الذي يحدث بسبب مشكلة ما (فقدان وظيفة أو شخص مقرب أو مشكلة صحية أو نفسية) يتضاعف كلما شعرت بالسخط على هذا الأمر بدلًا من الرضا به وتقبله… تقبل أن أباك أو زوجك أو عملك أو بلدك أو جسمك أو عائلتك لن تكون أبدًا كما تريد في خيالك لأسباب مختلفة ولكن المهم أن هذه هي النتيجة.. هذا ما حدث وكان

مهلًا أليس هذا من تعاليم الاسلام؟ الرضا بالقضاء والقدر  خيره وشره الذي يعد ركنًا من أركان الإيمان

 

يقول الكاتب أن الرضا  بمشكلة ما ليس معناه أنك تحبها أو تريدها أو اخترتها ..فمن يحب أن يكون معاقًا أو يفقد ابنه أو يكون مفرط السمنة أو يسقط في امتحان أو أو؟ الرضا معناه فقط أنك تقبل أنه لا يمكنك تغيير هذا الأمر الآن ..الرضا معناه أن تسمح لنفسك أن تشعر بالألم والحزن وحتى الندم بدون أن تشعر بالعار أو الخزي..تذكرت وأنا أقرأ هذا مقولة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم “إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الله” ..لقد سمح لنفسه وهو رسول الله أن تدمع عيناه وأن يحزن قلبه ولكنه لم يسمح لنفسه بالسخط على قضاء الله.

 

ولكن على جانب آخر نجد بعض الخطاب الديني يتحدث عن قصص غريبة للتابعين على أنها مثال الصبر..مثلا هذه الصحابية التي توفى ولدها فتزينت لزوجها وقضت معه الليلة ثم أخبرته في الصباح أن الله استعاد وديعته أو هذا التابعي الذي عندما أخبروه أن ولده مات حمد الله أن أولاده الآخرين لم يموتوا.. أحيانًا أشعر أن هذه الأمثلة مثالية جدًا بل وتجعل الناس يتوقعون الكثير جدًا من أنفسهم ثم يلومنها ﻷنهم ليسوا كهذه الأمثلة الجبارة (لقد سمح رسول الله لنفسه بالحزن حتى أسموا العام الذي توفى فيه عمه وزوجته بعام الحزن) ومرة آخرى كما قال الكاتب الرضا لا يعني مطلقًا حبك لهذا الأمر..

 

فعودة للسمنة..نعم أنا أتفهم حزني وحزن أمي ولكني في نفس الوقت والحمد لله ليست ساخطة على أي شىء ، لا على طريقة تربيتنا ولا جيناتنا ولا على ما فعلته في نفسي من قبل… وأعلم كذلك أنه  بنسبة كبيرة جدًا لن أكون قط أقل من وزن 90 كجم الذى كنته في أولى ثانوي..وأنا راضية بذلك ومتفهماه جيدًا..

 

ولكن في نفس الوقت لا أريد أن يقرأ أحدهم هذا المقال ويتوقع من نفسه أن يصل لدرجة الرضا التي لدي في التو واللحظة..فشخصيًا وصلت لهذا في سنوات وكما يقول كاتب مقال الرضا أن الرضا تمرين مستمر، كلما مارسته كلما تعودت عليه أكثر وكلما أصبحت أفضل من ذي قبل.

 

كذلك الرضا لا يعني عدم محاولتي تغيير  ما أنا عليه الآن  وهذا واضح جدًا أني أتغير وأحاول تحسين نوعية أكلي ونشاطي الحركي ومعالجة المشاكل الصحية التي اكتشفتها..لا يهمني كثيرًا أن أكتب مقالا يومًا أقول فيه لقد أنقصت 40 كجم من وزني..لا يهمني سوى أني أحاول الآن وسأظل أحاول بالعكس لقد توقفت عن المحاولة تماما عندما يأست، عندما سخطت، عندما كنت أخجل من مواجهة الأمر وأرفضه بدلا من أتقبله بكل ما فيه.

 

أما النقطة التي لم يذكرها الكاتب والتي أؤمن بها تماما

“وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون”

كانت هناك فوائد لسمنتي المفرطة كما اعتقد… مواجهة تعليقات الناس الجارحة ونظراتهم جعلتني أكثر شجاعة وجرأة ..بنت شخصيتي بشكل مختلف..ربما يكون هذا أحد الأسباب الذي جعلني استطيع الحياة في الغرب بمفردي..وأحد الأسباب التي جعلت عندي الشخصية التي تهتم بالناس ومشاكلهم..كتبت من قبل مقالا بعنوان في

في قلب كل محنة منحةوعندما أتفكر في كل المحن التي مررت بها في حياتي، أجد المنح دائمًا وأبدًا ومن ضمن هذه المحن السمنة المفرطة..

 

لقد ختمت مكالمتي لماما بجملة أود أن تعرفها كل أم: على الرغم من كل شىء قد تعتقدي أنك أخطأتي أو قصرتي فيه، لو سأل أي شخص ابنك، هل تبدل أمك هذه بواحدة آخرى لما رضى عنك بديلا أبدًا (بالظبط كما سترفضين أن يبدل أحدهم ابنك بآخر أكثر صحة أو جمالا أو تفوقًا)،  سواء كنتي متعلمة أم لا، مثقفة أم لا، تعملين أم لا، حنونة أم لا، أهم شىء يحتاجه ابنك في طفولته هو الحب غير المشروط الذي تمنحيه أياه..كل هذه الأخطاء التي ترينها كالكوراث لا تساوي شيئًا أمام عدم وجود هذا الحب..نعم عليك مسئولية، لا أحد ينكر هذا..ولكن فلترحمن أنفسكن قليلا من جلد الذات واتهمها بالتقصير والمسئولية عن كل مشكلة يقع فيها أبنائكم..فمن يعلم ربما كانت هذه المشاكل سبب سعادته من حيث لا تدرين؟!

 

 

المراجع:

5 Things Everyone Should Know About Acceptance

 


About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s