في المقال السابق أخبرتكم أن أول وزن أتذكره لنفسي هو 90 كجم في أولى ثانوي، لعل بعضكم تساءل  كيف وصلت لهذا الوزن? وكيف سمحت أمي أن أظل هكذا؟ في الواقع أمي كانت تفوقني قي الوزن في هذا الوقت بنحو 30 كجم. وإذ فجأة قررت أن نعمل ريجيم..لا أتذكر ماذا كان الحافز ولكني أتذكر جيدًا كتاب “الريجيم الكيميائي” الذي أبتعته من أحد المكتبات. كان الكتاب عبارة عن نظام غذائي لمدة 4 أسابيع، مكتوب فيه ما يجب أن تأكله في كل وجبة..أتذكر جيدًا أن الأسبوع الثالث كان عبارة عن نظام اليوم الكامل..نعم يوم كامل فاكهة ويوم كامل خضار فقط ويوم كامل لحمة الخ!

بدأنا هذا النظام وكان نتائجه مبهرة وسريعة جدًا مما شجعنا على تكراره مرة ثانية وثالثة وفي نفس الوقت بدأنا ننتظم في الرياضة، كنا نذهب إلي نادي رياضي للسيدات ونقوم بتمرينات رياضية شاقة للغاية..نذهب هناك 3 مرات في الأسبوع..ما زلت أتذكر هدف 300 عدة بطن والذي وصلنا إليه بمواصلة الرياضة وهذا الريجيم الجبار.

لا أتذكر تفاصيل كثيرة عن هذا الوقت ولكن أتذكر أن أمي نقص وزنها كثيرًا وأننا عندما ذهبنا لزيارة أقارب والدي في القاهرة كان الكل منبهر بها وأتذكر أن عمي رحمة الله عليه سألها ماذا فعلت؟ قالت فقط ريجيم ورياضة..كانت في منتهى السعادة وقتها ولدي صورة تضمنا كلنا في دريم بارك ربما بعد افتتاحها بشهور قليلة..هذه الصورة كلما رأتها أمي قالت كان شكلي حلو قوي ساعتها..كلنا كان شكلنا حلو قوي.

ثم فجأة لا أدري ماذا حدث تركت أمي الرياضة والريجيم وبدأ وزنها يزيد مرة آخرى حتى تجاوز ما كانت عليه..في نفس الوقت انشغلت أنا في طاحونة الثانوية العامة والدروس الخصوصية والتحسين ..سنتين من المذاكرة المتواصلة بلا انقطاع. ولكن ماما على الجانب الآخر كانت صحتها تتدهور شيئا فشىء ..وبمرور الوقت بدأت تصيبها أمراض عدة من التي تصيب معظم النساء المصريات في عمرها (ضغط وسكر الخ) وطبعا مع عامل السمنة كانت تذبل أمامي..ولكني لم أفهم قط لماذا توقفت؟ ولماذا حدث ما حدث؟

بدأت أفهم قليلا عندما ذهبت لهذه العيادة واكتشفت أن تلك الأنظمة المكتوبة من أسوأ الأمور التي يمكنك القيام بها لانقاص وزنك..ليس فقط ﻷنها تحد من حرية الانسان ولكن ﻷنها تقضي على نظام حرق الدهون في الجسم وتؤثر على الانسان نفسيًا لذا فعندما يتوقف ﻷي سبب يجد نفسه يأكل بشراهة غريبة ..شاهدت أحدى محاضرات تيد التي تحدث فيها المتكلم عن والده الحبيب الذي مات بسبب السمنة المفرطة وكيف أنه قرر أن يساعد الأطفال البدناء في أمريكا حتى لا يصلوا لنهاية والده.. ذهب لمعسكرات تعد لهولاء الأطفال والمراهقين البدناء حيث يتم فيها وضعهم على نظام غذائي وتدريبات رياضية..كانت المعسكرات ناجحة لمدة نحو عشر سنوات في تحقيق هدف انقاص وزن هولاء الأطفال قليلا في نهاية مدة المعسكر، ولكن بعدها عندما يرجعون لمنازلهم كانت أوزانهم تزيد مرة آخرى بل وتتجاوز ما كانوا عليه (تماما كما حدث مع أمي وحدث معي ويحدث مع معظم من يكافحون في هذا الأمر) وعندها قرر هذا الرجل أن يغيروا من استراتيجة المعسكر بحيث يكون أحد أهدافه التوعية وتعليم الأطفال معنى الغذاء الصحى ولماذا هو صحي وكيف يختارون غذائهم وكيف يغيرون سلوكهم ..وعندها كانت النتائج مبهرة ولم يزد وزن معظمهم بل على العكس استمروا في رحلة انقاص أوزانهم بعد الانتهاء من المعسكر… والسر هو التوعية والتعليم وليس الحرمان.

 

ولكن من جانب آخر ظل السؤال يورقني..لماذا توقفت أمي ؟  وجاءت الاجاية من فترة قصيرة عندما كنت أتحدث معها وتذكرنا هذه الايام عندما كنا نذهب سويًا للعب الرياضة وفوجئت بها تقول “ولكني طبعًا سبت كل حاجة بعد موت بابا”..لمعت عيني ببريق الفهم وعندما وضعت السماعة كنت أقفز كأرشميدس ..وجدتها وجدتها..

اكتئاب ما بعد الكرب

This makes a prefect sense

 

أصيب جدي بالسرطان وانا في ثانية ثانوي بعد عامين فقط من وفاة زوج خالتي الحبيب بالسرطان أيضًا..كانت معانتنا مع زوج خالتي قاتلة ..رغم أني كنت في ثالثة إعدادي وقتها ولكني ما زلت أتذكر ذهابنا كل يوم للمستشفي والعمليات المتواصلة التي خضع لها حتى توفاه الله..لذلك كان من الطبيعي أن تنهار أمي مع اكتشاف إصابة والدها بالسرطان ثم تكرار نفس المعاناة والعمليات ورؤية أعز الناس عليك يتألم وأنت عاجز، خاصة أن جدي لم يكن كأي أب ولا كأي جد..كان انسانًا طيبًا وحنونًا للغاية..يحضر لجدتي يوميًا الفل وهو في طريقه للمنزل ولا يناديني إلا ب”دينا باشا”.. مرضه ثم موته كان صدمة..طبيعي جدًا أن تتوقف أمي عن الرياضة والريجيم، وطبيعي أيضًا  أن تيأس من إعادة المحاولة ﻷنها عانت كثيرًا لتنقص هذا الوزن الذي عاد في شهور قليلة..كيف لم أربط هذا من قبل؟

 

أعلم أن أمي تعذبت كثيرًا، تعذبت من احساسها باللوم والتقصير والمسئولية عما وصلت ووصلنا إليه.. أتذكر يومًا كنت بصحبتها عند طبيب جلدية ورغم أن هدف الزيارة ليس له علاقة بالسمنة إلا أنه أنهال علينا لومًا وتقريعًا بطريقة جارحة للغاية..ربما كنت وقتها في العشرين من عمري..أتذكر وأنا أسير بجوار أمي في الطريق ودموعي على خدي وهي تنظر إلي نظرة العاجز الذي لا يدري ماذا يفعل ولا ماذا يقول…لقد صارت محاولة أي أحد من عائلتنا للذهاب لانقاص وزنه مثل الطرفة..ينظر إليك كل من حولك نظرة “ودي المحاولة الكام إن شاء الله؟”..محاولات لا تحصى من الفشل المتكرر فيما يسمى باليويو دايت…أطباء وخبراء تغذية لا يفقهون شيئا لا في الطب ولا في التغذية والأهم في معاملة الناس… تعرف لا ألومهم كثيرًا فهم أيضًا يعانون من الجهل ونقص التوعية..فقط يحسبون أنهم يحسنون صنعًا

 

إذا كنت قد تعلمت شيئا من كل هذا فسيكون أن حل مشكلة السمنة بل وأي مشكلة آخرى في التوعية ، في العلم، في الكف عن البحث عن مسكنات وحلول عاجلة، لا أعلم لماذا ترسل الدولة البعثات العلمية لدراسة الطب والهندسة والعلوم الطبيعية فقط؟ لماذا لا يهتم أحد بالعلوم الانسانية: علم النفس وعلم السلوك وعلم الاجتماع؟ ما هذه الكمية من المدعين النصابين التي نراها طوال الوقت تتحدث على شاشات التليفزيونات العربية بلا أي أساس علمي ؟ أن الناس في بلادنا مساكين..أراهم فقط ضحايا.. أعلم أن “لو” تفتح عمل الشيطان وأن لكل شىء سببًا..فلن أقول لو كانت أمي أو أهلي يعرفون كذا لكان كذا.. بل فقط أقول أن هذا ما حدث والحمد لله الذي من علي بنعمة القراءة والاطلاع والسفر للخارج لأفهم بعض أسبابه التي تمكني الآن أن أقول بملء فمي لهذه السيدة العظيمة: لقد فعلتي كل ما في وسعك لاسعادنا وتربيتنا على قدر ما تيسر لكي من المعرفة.. وأني حقًا لا أتخيل كيف كان سيمكني أن أسير في هذه الحياة بدون حبك وعطائك المتفاني.. فلتتوقفي عن لوم نفسك ولنحاول سويًا أن ننجح فيما أخفقنا فيه دومًا..ولكننا سنفعله بأسلوب جديد تماما..أسلوب ساحدثكم عنه فيما بعد إن شاء الله..

 

المصادر:

 

Weighing In – Solving the Obesity Crisis One Child at a Time: Louis Yuhasz at TEDxCharleston

 

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. […] بعض الأصدقاء إذا كانت أمي قد قرأت المقال السابق وكيف كان رد […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s