أحاسيسي بعد كتابة  الجزء الأول في  منتهى الاضطراب ..ما بين الشعور بارتياح البوح وبين الشعور بالخجل الشديد وكأني سرت بدون ملابسي في الطريق..رأيت الكثير من زملائي يعملون لايك للمقالة..لا أعرف الآن كيف سأواجههم..صديقاتي المقربات جدًا يعرفن كثيرًا مما كتبته وسأكتبه عن هذا الأمر ولكنها المرة الأولى التي أنحدث فيها عنه علانية..ربما كنت شجاعة جدًا كما قال البعض وربما كنت متهورة جدًا…أحدى صديقاتي علقت أن الناس عادة ما ترسم هالة حول الكاتب وأني أضر بهذه الهالة..أيضًا ربما يومًا ما سأدرس في الجامعة أو سأقدم على وظائف في مصر أو العالم العربي، كيف سينظر لي الناس وقتها!  مئات الأفكار والخواطر ..دافع أن أن أنقل المعرفة للناس لا يبدو قويًا أمام كل هذا..ربما كان يمكني الحديث عن الموضوع بشكل علمي بدون التكلم عن تجربتي الشخصية، كما فعلت من قبل عندما تكلمت عن الأكل الانفعالي أو كما تكلمت عن الشخصية المثالية

ولكن أليس أحد أهدافي أيضًا أن أكسر هذه الوصمة التي تحيط بالبدناء..أن أجعل الناس يتقبلوهم وأجعلهم يتقبلون أنفسهم؟ لقد كنت أنتوى أن أكتب مقالات أو كتابا عندما أتخلص من كل وزني الزائد بطريقة قبل وبعد المشهورة والتي قام بها الكثيرون من قبلي.. إنه أمر مريح للغاية أن تقول كنت بدينًا وانظروا لي الآن لقد كافحت على مدى عام أو عامين في السر..أو تقول كنت مدمنًا أو كنت مكتئيًا أو أو أو.. ولكن هناك شيئًا ناقصًا في كل هذه النوعية من المقالات التي قرأتها من قبل..هذا الشىء الذي يسمي المعايشة.. قبولك لنفسك وأنت تعاني من المشكلة بحيث لا تخجل من التصريح بها وفي نفس الوقت سعيك لحلها شيئًا فشىء والرضا بأي نتيجة كانت.

لقد قلت في المقال السابق أني أود أن أنقص 60 كيلو جرام من وزني ولكن هذا ليس صحيحًا وليس هذا ما سيجعلني سعيدة..ما جعلني الآن سعيدة وسيجعلني أسعد إن شاء الله هو شعوري بالرضا عن نفسي وأني أحاول وأني أبذل مجهود حتى وإن لم أحقق الهدف..شعوري أني لست متجاهلة المشكلة ومتظاهرة أنها غير موجودة..كثير من البدناء لا يحبون التقاط الصور وإذا تصوروا يصورون الجزء العلوي من أجسادهم فقط..كثيرون ليس لديهم مرايا كاملة في بيوتهم ولا يقوون على النظر في أي مرآة كاملة في محلات بيع الملابس.. أتذكر أني منذ بعضه أشهر وضعت مرآة كاملة في شقتي حتى أواجه الأمر بدلًا من الهروب منه..حتى  أتذكر المشكلة دائمًا فتسبب هذا في حزني واكتئابي أكثر..ﻷني كنت أجلد نفسي كلما أراها كذلك وهذا الجلد كان عائقًا أمام أي محاولة للتغيير وليس دافعًا كما كنت أتصور ويتصور الكثيرون.

 

عندما ذهبت للمعالجة النفسية في عيادة التحكم في الوزن كنت أشعر بالعجز التام ..عجزي عن الاستمرار في دراسة الدكتوراة وعجزي عن حل مشكلة السمنة هذه..لم أقل لكم أن أول وزن أتذكره لنفسي كان 90 كجم في أول ثانوي..ولا أتذكر أني وصلت قط ﻷقل من ذلك.. قلت لها أشعر أني لا أفعل أي شىء..فقط أجلس متنحة..تحدثت معي كثيرًا عن لوم النفس وإني لابد أن أحاول أن أسكت هذا الصوت بداخلي ﻷنه ليس اللوم الذي يدفع للتغيير بل هو اللوم المعوق نفسيًا.. كتبت مقالة من قبل من وحي هذه المقابلة عن الفرق بين الاحساس بالندم والاحساس بالعار أو الخزي

http://www.sasapost.com/opinion/what-the-feeling-remorse-shame/

 

حدثتها عن الأوقات التي أفقد فيها السيطرة على الأكل..يكون أمام علبة شيكولاتة كاملة فأقول سأخذ واحدة فقط ثم أجد نفسي التهمها كلها..لا استطيع التوقف أحيانًا عن الأكل وكلما قلت لنفسي كفى أكل أكثر

 

قالت لي لقد حاولتي كثيرًا أن تلومي نفسك وتقريعها ولم تنجحي في التغير..فماذا لو جربنا شيئًا جديدًا؟ ماذا لو قلتي لنفسك أنه مسموح لكي أن تأكلي كل شىء تريدينه وأنه لا يكون شىء ممنوع ولا يوجد طعام سيىء وآخر جيد… جربي أن تخرسي هذا الصوت بداخلك..ونفس الأمر بالنسبة لعدم قدرتك على العمل في رسالة الدكتوراة وتأنيبك المستمر للوقت الذي تقضيه على الفيس بوك بدون أي يسفر هذا التأنيب عن أي تغيير..قولي لنفسك أوك..مسموح بكل شىء. ..

 

قالت لي أنتي مهندسة وستظنين أن الأمر بمثابة كتابة برنامج كمبيوتر سيحل الموضوع ولكن سيأخذ الأمر شهور من المحاولة حتى تنجحي في السيطرة على هذا الصوت بداخلك وعندها ستقدرين على التغير..

 

شكيت طبعًا في الكلام الذي قالته..وعندما استيقظت في الصباح، كعادتي أمسكت بالموبايل وأخذت اتصفح الفيس البوك ..انتبهت أنه مضت نصف ساعة ..وفجأة استمعت لصوت اللوم بداخلي..الصوت الذي يقول لي أن ما فعلته تضييع للوقت وأنه كان من الأولى أن أترك الفراش وأصلي وأعمل في الدكتوراة وأذهب للجيم أو على الأقل أنظف بيتي الذي أصبح مثل الزريبة. هذا الصوت الذي عادة ما يعقبه مزيدًا من التتنيح واللامبالاة

 

هذا الصوت لم انتبه له من قبل ولكنه كان هناك طوال الوقت. تذكرت كلام الطبيبة وقلت له أخرس..ما المشكلة أن أرى الأخبار لمدة نصف ساعة؟ أنها نصف ساعة فقط.. وفجأة شعرت براحة نفسية غير عادية وكأن جلادًا كان يجلدني بكرباج وتوقف فجأة.. أخذت أبكي وأبكي عندما انتبهت لكل ما كنت أفعله بنفسي من قبل..كنت أجلدها باستمرار

 

قررت ألا أعمل في هذا اليوم (على أي حال أن لم أعمل لأسابيع طويلة ولكن القرار شىء مختلف)..طلبت بيتزا واستمعت بكل قضمة فيها وشاهدت فيلمًا كوميديًا..كان هذا الأسبوع بمثابة حجر الزاوية في التجربة الجديدة..

 

بعدها حضرت محاضرات كثيرة في العيادة عن التغذية الصحية والأكل الانفعالي واكتشفت أشياء آخرى سأتحدث عنها لاحقًا ..ولكن لن أنسى أنه في يوم كنت أتحدث مع المعالجة السلوكية (هذه غير المعالجة النفسية) وكنت أقول لها أني أحيانًا أشعر بالرغبة في أكل شيكولاتة وأحيانًا أغش.. قالت لي لا أريدك أن تفكري أنه غش أو أنه طعام سيىء.. أن جسمك قال لكي الآن أنه يحتاج لشيكولاتة..ما المشكلة؟ أحضرى الشيكولاتة التي تريدنها واستمتعي بكل قضمة فيها..لا تأكليها بسرعة حتى تقضي على الشعور بالذنب ولكن استمعتي بها وربما في منتصف القطعة قولي لنفسك لقد رضيت نفسي الآن لا حاجة لي بتكملتها ربما وقتًا آخر.

 

مرة آخرى لا يبدو الكلام عاقلًا ويبدو عكس كل منطق.. بعدها بيومين ذهبت لمطعم بيتزا وجربت أن استمتع كما قالت وفعلا أخذت بقية البيتزا معي المنزل  لأكلها في وقت لاحق.. ومن وقتها وكلما خرجت للأكل مع أصحابي أجدني أطلب أخذ نصف الاكل البيت..وأظل أمدح فيما أكله وروعته مما يشبع احساسي كما قالت.منذ أسبوعين كنت في فرح فيه بوفيه مفتوح ..احضرت طبقي واستمتعت به ولم أذهب لاحضار طبق آخر كما فعل معظم الناس حتى إن صديقتي لاحظت ذلك..قالت لي أنتي عاملة ريجيم؟ قلت لها لا..أنا استمتع بما أكله إذا شعرت بالحاجة له أو كنت في مناسية اجتماعية مثل هذه.. وهذا يجعلني لا أشعر طيلة الوقت بالرغبة في المزيد.

 

مرة آخرى الأمر لم يأتي فجأة..ما زلت كثيرًا أجلد نفسي..ولكنه أفضل من زي قبل بمراحل.. على الأقل بدأت انتبه لهذا الصوت..وبدأت أراقب كيف أتعامل بحب وود مع صديقاتي وأتعامل مع نفسي بقسوة شديدة.. لا يجرؤ انسان في العالم أن يكلمني بهذه الطريقة التي أكلم بها نفسي..بدأت أحاول أن أتعامل معها كصديق يحتويها بدلًا أن يعنفها..

 

كلهم يقولون لي حبي دينا كما تحبين الآخرين..ضعي دينا أولوية كما تضعين الآخرين..بمناسبة فيلمي أكس لارج وحبيبي دائمًا الذين تحدثت عنهم في المقال السابق..هل لاحظتم أن أحمد حلمي ومي عز الدين كانت لهم نفس الشخصية العطوفة التي تحتوي كل من حولها ويلجأ لها الجميع في مشاكلهم؟ لا أعرف سببا محددًا يجعل البدناء هكذا..البعض يقول أنهم يهربون من مشاكلهم بالتركيز على مشاكل غيرهم وأن هذا يشعرهم بالرضا عن أنفسهم قليلا..وربما كانوا يشعرون أنهم لو لم يفعلوا هذا فسوف ينفر الناس منهم بسبب شكلهم فيحاولون أن يقوموا بالكثير من الأشياء للغير التي تجعلهم يتغاضون عن شكلهم.. على أي حال من الصعب أن تجد شخصًا بدينًا وقاسيًا أو أنانيًا، ربما ﻷنه يعرف جيدًا معني القسوة على الآخرين ولكنه نادرًا ما يدرك تأثير  قسوته على نفسه.

 

 

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

3 responses »

  1. دينا صلاح كتب:

    المقالات دي مهمة جدا يا دينا وهتفرق مع ناس كتير بتحارب عفاريت مختلفة، مش بس السمنة.. ربنا يكرمك عشان بتكتبيها. وبالنسبة لرؤية الناس ليكي وهالة الكاتب.. مش شايفة أي حاجة من اللي كتبتيها ممكن تأثر عليها.

    أنا سعيدة بمعرفتك فعلا حتى لو بس في العالم الافتراضي 🙂

  2. […] في المقال السابق أخبرتكم أن أول وزن أتذكره لنفسي هو 90 كجم في أولى ثانوي، لعل بعضكم تساءل  كيف وصلت لهذا الوزن? وكيف سمحت أمي أن أظل هكذا؟ في الواقع أمي كانت تفوقني قي الوزن في هذا الوقت بنحو 30 كجم. وإذ فجأة قررت أن نعمل ريجيم..لا أتذكر ماذا كان الحافز ولكني أتذكر جيدًا كتاب “الريجيم الكيميائي” الذي أبتعته من أحد المكتبات. كان الكتاب عبارة عن نظام غذائي لمدة 4 أسابيع، مكتوب فيه ما يجب أن تأكله في كل وجبة..أتذكر جيدًا أن الأسبوع الثالث كان عبارة عن نظام اليوم الكامل..نعم يوم كامل فاكهة ويوم كامل خضار فقط ويوم كامل لحمة الخ! […]

  3. anonymous كتب:

    “قررت ألا أعمل في هذا اليوم (على أي حال أن لم أعمل لأسابيع طويلة ولكن القرار شىء مختلف)..”
    ” ربما ﻷنه يعرف جيدًا معني القسوة على الآخرين ولكنه نادرًا ما يدرك تأثير قسوته على نفسه “

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s