اغروقت عينا الطبيب الأمريكي بالدموع وهو يخاطب محاضرًا في تيد ويتذكر تلك السيدة البدينة التي أتت للطوارىء منذ سبع سنوات وقدمها تحتاج للبتر بسبب ارتفاع السكر في الدم.. طلب الطبيب على الهواء من هذه السيدة أن تسامحه ليس ﻷنه لم يعالجها ج130694-130267يدًا فهو يعتقد أنه فعل كل ما بوسعه، ولكنه طلب منها السماح ﻷنه لم يتعامل معها بانسانية..ﻷنه نظر إليها نظرة متدنية أنها المسئولة عما وصلت إليه..اعتقد كما يعتقد معظم المجتمع أنها لابد أن تكون مفرطة في الأكل ولا تمارس الرياضة مما تسبب في زيادة وزنها وبالتالي أصابها السكر الذي أوصل بها لهذه المأساة..لم يتعاطف معها كالفتاة التي جاءت للطوارىء منذ ثلاثة أيام مصابة بسرطان في أسفل ظهرها..يتساءل لماذا لام هذه السيدة على مرضها ولم يلم الفتاة على السرطان؟ وبعد بضعة سنوات ذاق من نفس الكأس وأصيب بالسمنة رغم مواظبته على الرياضة والأكل الصحي وعندها عرف أن السمنة أحيانًا كثيرة تكون عرضًا لمشاكل أكبر ..انضم لفريق أبحاث عن السمنة وحاضر عشرات المحاضرات لتوعية الناس أن لوم الانسان على بدانته في الواقع هو لوم الضحية وأه غالبًا مريض السمنة يريد أكثر من أي شخص آخر أن يعالج مشكلته ولكنه عادة ما يقوم الأطباء بمعالجة الأعراض (وهي السمنة) وليس معالجة أصل المشكلة المتسببة فيها.

أنفجرت في البكاء بعد انتهاء المحاضرة..حسنًا أنا لست أبكي بسهولة ربما تمر أشهر دون أن أسقط دمعة واحدة..انفجاري في البكاء يعني لي أن هناك شيئًا متراكمًا بداخلي لا استطيع التعبير عنه وقد لمس ما أبكاني الجرح الغائر..ومن هنا قررت أن أكتب عن الشىء الذي لم أقو قط على الكتابة عنه..أكتب عن المشكلة التي أكافح ويكافح معظم أفراد عائلتي للتخلص منها دون جدوي..أكتب عن السمنة…عن بدانتي المفرطة جدًا.

حسنًا لست أول مرة أكتب عن ذلك، أرسلت رسالة من قبل لبريد الأهرام في يونيو 2009 وربما كانت أول مقال متكامل أكتبه في حياتي، تستطيعون قرائته هنا..نعم هذه أنا “د.س” ..كان المحرر ذكيا جدًا عندما استخدام حروف اسمي الأولى 🙂

 http://www.ahram.org.eg/Archive/2009/6/19/POST2.HTM

كانت المشكلة التي اكتشفتها وقتها نقص فيتامين د وفعلا بدأت في المواظبة عليه ونجحت لفترة محددة في التخلص من بعض وزني الزائد فقط بأخذ هذا الفيتامين..قالت الطبيبة لي وقتها أن نقص فيتامين د يسبب مشكلة في التمثيل الغذائي فيقوم الجسم بتخزين الدهون بدلا من حرقها..اعتقدت عندما كتبت هذه المقالة لبريد الأهرام أني في طريقي للتخلص من مشكلة حياتي..فقط أدوام على فيتامين د وكل شىء سيكون جيدًا ولكني اكتشفت أني مخطأة.. وحدثت لي انتكاسات مستمرة جعلت وزني يزيد فقط في الخمس سنوات الماضية حوالي 25 كيلو..

أتذكر محادثة بيني وبين صديقة مقربة كنت أخبرها أني لا أدري متى وصلت للمرحلة التي تضيق بي معظم الكراسي..أدخل مكان ما اعتدت على الذهاب إليه (كحجرة مكتب مشرفي في الدكتوراة) اتذكر أن الكرسي هناك كان ملائمًا جدًا ولكن فجأة اكتشف عدم استطاعتي الجلوس فيه..يشعر صاحب المكان بالاحراج ويذهب للبحث عن كرسي أكبر ويعتذر واعتذر أنا..ويكون أكثر المواقف أحراجًا لي ولكنه ليس الوحيد.

في مصر كانت التعليقات المستفزة جدًا من كل الناس خاصة في الشوارع تجعلني أكره الخروج والسير في الطريق مع أي شخص قد يسمع أحدهم يقول شيئا نابيًا للتعليق على جسدي. ثم المواقف الظريفة التي يعتقد فيها أحدهم أني أم صديقتي التي تسير معي..إلى كلام المقربين والناس ونظراتهم كلها التي تسأل لماذا. ومما زاد الأمر سوءا هذه الأفلام الحديثة التي تسخر من البدناء وتظهرهم بشكل شره لا يتوفقون عن الاكل مطلقًا (فيلمي حبيبي دائمًا لمي عز الدين وأكس لارج ﻷحمد حلمي)..أتساءل ألا يفكر أحدهم قبل أن ينتج فيلم تظهر فيه فتاة بدنية تلتهم ديك رومي كامل أو يظهر فتي بدين يأكل كرتونة بيض بمفرده..أمن أجل الضحك والفكاهة نسبب الأذى النفسي لكل الناس الذين يعانون من نفس المشكلة؟ ثم الحل الرائع في آخر فيلم..أحبس نفسك في حجرة سنة كاملة ولا تأكل أكثر من زيتونة في اليوم وستكون فتى وسيم وعندها ستتزوجك القتاة التي تحبها ولم تعبًا بك من قبل بسبب شكلك!! فتكون الرسالة لكل شخص يرى انسانًا بدينًا أنه هو المخطىء، لو أكل كل يوم زيتونة فقط سيكون على ما يرام!! كم أتمنى أن أضرب كل هولاء في وجهوهم كما قالت أوبرا وينفري يومًا عن احساسها عندما يتكلم أحدهم بهذا المنطق.

في ديسمبر الماضي كنت في مؤتمر في أمريكا وحدثت لي مواقف محرجة جدًا في الطائرة بسبب ضيق الكرسي وتأفف الرجل المجاور لي من الأمر..رجعت من المؤتمر مدمرة نفسيا وذهبت لعيادة الجامعة  والحمد لله بالصدفة كانت الطبيبة التي أعتدت رؤيتها غير متواجدة ورأيت طبيبًا آخر تعامل مع الأمر بأحسن ما يكون ..لم ينتقدني..لم يقل لي كهذه الطبيبة أذهبي للرياضة أو بطلي أكل..كان يعرف أنه يرى فقط قمة جبل الجليد وأن هناك الكثير في الأسفل…لذلك قام بتحويلي لعيادة تحكم في الوزن ..عيادة متكاملة بها طبيبة متخصصة في السمنة وأخصائي تغذية ومعالج نفسي ومعالج سلوكي..ذهبت هناك في يناير ..ومن هناك بدأت الرحلة.

 في هذه الرحلة تعملت أشياء كثيرة ليس فقط عن الطعام والشراب ولكن الأهم من هذا كله أنه تعملت النظر إلى ما تحت قمة جبل الجليد ليس فقط في السمنة ولكن في كل شىء آخر نراه..التعامل مع أساس المشكلة ومعرفة أن هناك الكثير من الأشياء التي تكون بمثابة الدوران في حلقة مفرغة..فمثلا قد يكون عند الشخص مشكلة في التنفس تسبب له الانهاك المستمر وعدم القدرة على الحركة مما يدفعه للأكل بافراط للتعامل نفسيًا مع كسله مما يسبب المزيد من الوزن الزائد فتزيد مشكلة التنفس سواءا فيحدث له انهاك أكثر فيأكل أكثر فيزداد وزنه أكثر وهكذا دواليك.

وعادة أيضًا لا يكون هناك مسبب واحد للمشكلة فمثلا بالاضافة للمشاكل الصحية التي قد تكون السبب في السمنة، هناك التوتر والقلق والاكتئاب ربما بسبب مشاكل حياتية أو مجتمعية. أتذكر في أحدى المحاضرات في هذه العيادة قالت المعالجة السلوكية أن أحد الأشخاص كان يقوم بكل شىء كما يقول الكتاب ورغم ذلك لا ينقص وزنه أبدًا رغم أنه ليس لديه أي مشاكل صحية.. وعندما تحدثوا معه عرفوا أنه مدير في شركة كبيرة  وأن وظيفته تسبب له الكثير من الضغوط..التوتر فقط بالنسبة له كان يدفعه لزيادة الوزن أو عدم القدرة على انقاصه..وبهذا أتخذ هذا الشخص قرارا بترك وظيفته والبحث عن وظيفة آخرى أكثر هدوءًا ﻷنه وجد أن صحته أهم من أي شىء آخر..وبعدها بدأ فعلا يتغير كثيرا بسبب قلة التوتر.

كما يقولون في العيادة ..أنهم يحاولون دائمًا الوصول للصورة الكلية ..في أول مرة ذهبت هناك جلست معي الطبيبة ما يقرب من ساعة لتعرف أدق التفاصيل التي من الممكن أن تقودها لأسباب المشكلة..لا يوجد حل سريع لمشكلة تكونت على مدى سنوات طويلة وأعاني منها أنا ومعظم أقربائي..الحل لابد أن يكون طويل المدى كما قالت لي.وتغيير العادات وعلاج المشاكل الصحية الآخرى يأخذ كثيرًا من الوقت..ولكنه أفضل بكثير من اللجوء لجراحة سريعة تنقص الوزن ثم ﻷن السلوكيات لم تتغير والمشاكل الحقيقية لم تحل يعود كل شىء للسابق وربما أسوأ.

لقد كان دائمًا من دعائي في رمضان أن يساعدني الله على ايجاد حل لهذه المشكلة بشكل صحي..لا اقتنع بتاتا بنظم التغذية المكتوبة والأدوية الغالية وكل الوصفات التي تملأ النت..لقد جربت كل هذا من قبل..وكما قال هذا الطبيب الأمريكي في محاضرة تيد المشكلة أني لم أكن أعرف ما هو الشىء الصحيح الذي يجب عمله. أحسب أن الله قد قادني للطريق الصحيح أخيرًا والحمد لله ..وسأكتب باستمرار عما تعملته وأتعلمه في هذه الرحلة إن شاء الله. كشكر لله على نعمته تلك… ولكني أعلم كذلك أن العلم لم يصل لكل شىء وربما كانت هناك أسباب آخرى غير ما اكتشفته ..أعلم كذلك أن انقاص حوالي 60 كجم من وزن الانسان هو عملية شاقة وطويلة المدى وربما ستحدث انتكاسات آخرى في الطريق وربما لا.

ولكن ما أود أن أقوله لكل الناس من خلال هذه الرحلة هي ابحثوا عما تحت قمة جبل الجليد وتوقفوا عن التعامل بقسوة مع أنفسكم قبل غيركم..أتعلمون لماذا أصيب هذا الطبيب الأمريكي بالسمنة رغم أنه كان يمارس الرياضة باستمرار ويتبع نظاما غذائيا ؟ لقد اكتشف أنه حدثت  له مشكلة في خلايا الدم تسمى مقاومة الأنسولين بحيث يتم تخزين السعرات الحرارية بدلا من حرقها..تعامل مع سبب المشكلة وحلها وأنقص وزنه مرة آخرى، ولكن الأهم أنه تعلم الدرس جيدًا وهذا ما دفعه للبكاء ﻷنه يومًا قام بالحكم على مريض أنه السبب في مرضه بدلا من التركيز على معالجة المرض والأهم من ذلك التعاطف الانساني مع شخص غالبًا يشعر بقلة الحيلة وآخر ما يحتاجه هو اللوم.

المصادر:

 

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

6 responses »

  1. غير معروف كتب:

    كلامك اثر في جدا لاني أعاني من هذه المشكلة منذ طفولتي
    اشعر بكل كلمه كتبتيها لاني مريت ولسه بأمر بيها
    حاولت كثيرا ولكني فشلت وفشلت
    ولكن الأصعب ان بسبب السمنه أصبحت أعاني من أمراض المفروض يعاني منها من في مرحله الشيخوخه
    لم أعش طفولتي بشكل طبيعي بسبب جسمي
    كل فتره كان فيه كشف في المدرسة كنت باكره اليوم ده جدا لان كنت لازم أقف علي الميزان
    ومش لازم بقي أقولك تعليقات المدرسين قبل الطلبه كمان
    حاولت كتير اخس بس فشلت وبافشل وسافشل
    كنت عاوزه أسالك هو ازي اعرف ما تحت قمه الجليد
    متهيقلي صعب
    ربنا يوفقك يا دينا

  2. سارة كتب:

    المقال ده خلّى تفكيري عن الموضوع ده يتغير خالص وحاسة إني كنت ظالمة جداً لما بجيب اللوم غالباً على الشخص دون الاعتبار لاحاسيسه أو لأي أسباب تانية .. وندمانة على كل ضحكة ضحكتها على الأفلام المذكورة فالمقال .. ربنا يثبتك ويهدينا… آسفة!

  3. […] بعد كتابة  الجزء الأول في  منتهى الاضطراب ..ما بين الشعور بارتياح البوح وبين […]

  4. […] بعد كتابة  الجزء الأول في  منتهى الاضطراب ..ما بين الشعور بارتياح البوح وبين […]

  5. […] من المرض احساسك بأنك بشكل ما السبب في ذلك  (تتذكرون أول مقالة في هذه […]

  6. […] من المرض احساسك بأنك بشكل ما السبب في ذلك  (تتذكرون أول مقالة في هذه […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s