من الأساطير التى تمت
تربيتنا عليها أنه إذا أراد شخص أن يتغير فهذا يحدث فى التو واللحظة وكل ما يحتاجه الأمر بعض من الإرادة. نجد الكثير من الدعاة والشيوخ بل وقصص الأفلام والمسلسلات تحدثك عن هذا البطل الذى كان عاصيًا أو مدمنًا أو ضائعًا وفى لحظة ما حدث أمر ما جعله يقرر أن يتغير وإذ فجأة أصبح إنسان جديد.هذه الأسطورة التى رددوها على أسماعنا بنية التحميس والتشجيع كانت فى نفس الوقت مدمرة تماما. لماذا؟ . ﻷنه لا يوجد أى تغيير يحدث فجأة… نعم ربما حدث موقف ما جعل إنسان يفكر فى تغيير حياته والبدء بإصلاح نفسه ولكن ما بعد هذه اللحظة دائمًا ما يتم إغفاله أو المرور عليه سريعا. ما الذى حدث؟ ما هى خطوات التغيير؟ كم مرت سولت لك نفسك النكوص؟ بل كم مرة نكصت بالفعل؟
لا أحد يقول لك فى الأغلب.
الكثيرون يقولون أن بدايتهم فى الالتزام كانت رمضان ولكن ماذا حدث بعد رمضان هذا؟ كان بداية؟ ولكن كم مرة زللت؟ وكم مرة ثبتت؟ كم أخذ الأمر من خطوات للتعود على عبادة واحدة فقط؟ وكم عبادة كنت تقوم بها ثم نكصت؟البعض يقول أنه لا يريد أن يحكى عن مرات السقوط والنكوص حتى لا يكون معول هدم..ولكن أتعلمون ماذا تفعلون بالناس؟ أنتم تشعرونهم أن المقبول فقط هو الالتزام الكامل، فإذا نكصوا أو فتروا يأسوا وربما تركوا الطريق كله.لماذا لا نكون واقعيين ولو قليلا؟ هل غفل القرآن الكريم والسنة عن سير الصحابة الذى قاموا بكبائر واخطاء، أم أوردها لنتعلم منها أن كلنا بشر؟

من الجميل أن نحكى عن أمثلة كبار الصحابة مثل سيدنا عمرو بن الخطاب وسيدنا أبى بكر الصديق وغيرهم ولكن من غير الواقعى أن نظل نحكي للناس عن هولاء فقط ويتم التسويق الأمر فى العقل الباطن بأننا ضائعون وعجزة ﻷننا لا نستطيع أن نكون مثلهم…هل كان كل الصحابة مثل سيدنا عمرو بن الخطاب؟ أم كانوا يتفاوتون فى درجاتهم؟

تخيل معى أخى الفاضل الأمر وكأنك ذهبت لمدرسة ثانوي وكل يوم تحدث الطلبة عن العلماء الذين حصلوا على نوبل. طيب كم نسبة أن يحصل أحدهم على نوبل؟ ربما بالكثير جدًا واحد فقط سيكمل الطريق لنوبل. ولكن هذا لا يعني أن كلهم فشلة ..فهناك منهم من سيكون طبيب ومن سيكون مهندس ومن سيكون محاسب ومن سيكون ومن سيكون.. بل أن هناك منهم من سيحصل على الدكتوراة ويتفوق ويكون أستاذ جامعيًا ولكنه لن يصل لنوبل.
فأنت عندما تتحدث كل يوم عن علماء نوبل فى الحقيقة لا تحمس الطلاب للنجاح والتفوق ربما ستحمس الأول أو العشر الأوائل على الأكثر ولكن الطلبة الأقل ذكاءًا وقدرة سيشعرون أنهم بلا قيمة رغم أن لهم دور هام جدًا فى المجتمع، ربما يكون أهم من الأول.

كذلك الأمر فى الخطاب الديني والدعوي والتنمية البشرية..الكلام المثالي حتى لو كان عن الحب عادة ما يرفع توقعات الناس فى السماء.. فإذا حدثت مشكلة ما، وقفوا عاجزين أو انهاروا ﻷنهم لم لم يتوقعوا من أنفسهم أن تخذلهم. وهذا ما يجعلهم يدخلون فى دائرة الضياع: خطأ يتبعه يأس يتبعه خطأ آخر يتبعه مزيدًا من اليأس حتى يكون الحل الوحيد للخروج من هذه الدوامة الانسحاب تماما.

لا نقول لا تسعى للتغيير ولكن أعرف أن التغيير الدائم يأتى على مراحل وبالتعود شيئا فشىء لذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. وعلم النفس يقول لنا أن التعود على عادة جديدة يحتاج إلى من 3 أسابيع إلي شهر. فكل ما تحتاجه لتبدأ فى التغيير هو إلزام نفسك بالتعود على شىء جديد بسيط لمدة شهر. وسوف تنسى أيامًا وتسقط أيامًا آخرى ولكن بالمثابرة سيصبح عادة.. ثم تبنى عليه شيئا جديدًا وهكذا.. ففى النهاية يصبح عندك 12 عادة جديدة فى السنة على الأكثر بل لنقل أنه من المتوقع أن تفتر لبعض الوقت، فيكون مستهدفك 6 عادات جديدة كل عام وحتى لو كان مستهدفك عادة جديدة كل عام فهذا أفضل من لا شىء أو التقطيع.

تخيل مثلا لو قلت ابتداء من الآن وحتى رمضان العام القادم سألزم نفسي بركعتى الضحى أو ركعتيى قيام، فقط لا غير.. هل تشعر أن هذا قليل للغاية؟ تذكر معي إذن كم رمضان مر عليك فقررت فيه الالتزام بكل شىء مرة واحدة ثم سقطت بعد أيام..وكم طاعة تعودت عليها فى رمضان ثم استمرت معك فيما بعده لرمضان الذى يليه؟ هل جربت بما فيه الكفاية لتقتنع أن التغيير الفجائى هو أسطورة سواء كان الأمر فى الالتزام الدينى أو العمل أو المذاكرة أو اتباع نظام غذائي أو أى شىء آخر؟ ما رأيك إذن أن تجرب شيئًا جديدًا ؟ مستهدف بسيط جدًا أنت تضعه لنفسك وتتابع نفسك فيه متوقعًا أن الأمر سيتطلب وقتًا ومجاهدة حتى يصبح عادة تستمر معك العمر كله.

لا تجعل أحدًا يضع لك جدولًا أو يستنكر عليك شيئًا. ..أنت من سيحدد وأنت من سيضع الأهداف.. أنت لست فى سباق مع أحد…سباقك مع نفسك لتكون أفضل من السابق ولو بشعرة 

يقول الشيخ الألباني رحمه الله : طريق الله طويل .. ونحن نمضي فيه كالسلحفاة وليست الغاية أن نصل لنهاية الطريق ! ولكن الغاية أن نموت على الطريق .

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

2 responses »

  1. […] وبناء على فهمي المتواضع لكل هذا، قررت ألا أحجز كورسات مرة آخرى في الأيروبكس وألا أذهب لصالة ألعاب الجامعة وأن استمر في اليوجا والذهاب للسباحة في الأوقات الحرة والتمشية الهادئة يوميًا..هذا ما يناسبني ويناسب طبيعتي .. وربما كان يناسب طبيعتك شيئًا مختلفًا تماما، فأبحث عنه. ولكن تذكر دائمُا أن  التغيير يحدث فجأة […]

  2. […] وبناء على فهمي المتواضع لكل هذا، قررت ألا أحجز كورسات مرة آخرى في الأيروبكس وألا أذهب لصالة ألعاب الجامعة وأن استمر في اليوجا والذهاب للسباحة في الأوقات الحرة والتمشية الهادئة يوميًا..هذا ما يناسبني ويناسب طبيعتي .. وربما كان يناسب طبيعتك شيئًا مختلفًا تماما، فأبحث عنه. ولكن تذكر دائمُا أن  التغيير لا يحدث فجأة […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s