القاعدة تقول أنه كلما طال الوقت كلما أصابك السأم والملل مما تفعله ولكن لا أحد يعرف معنى أن تكون فى السنة الخامسة أو السادسة أو السابعة من برنامج الدكتوراة. لا أحد يعرف معنى أن تكون طالبا وقد تخطيت الثلاثين، تعيش على الكفاف، دائما مديونا، هناك شبح يهددك بأنه لن توجد نقود إذا لم تناقش فى وقت معين، ربما لو كنت تعيش مع أهلك أو زوجك لكان الأمر سهلا، فهناك من سيدفع الايجار ومصاريف الحياة الضرورية.. ولكن إذا كنت بمفردك تتحمل مسئولية نفسك فالشارع فى انتظارك أو العودة لبلدك بخفى حنين.

تحدد ميعاد تلو ميعاد للمناقشة..يمتلىء مكتبك ومنزلك باللوحات الحماسية التى تحمل ميعاد المناقشة المحتمل..ولكن دائما تأتى الحياة بما لا تشتهى السفن.. أحدهم نشر فكرة مشابهة لفكرتك وربما أفضل منها، اكتشاف غلطة ما، سفر المشرف أو تقاعده، ثورة أو انقلاب فى بلدك، مشكلة عائلية تمس أقرب الناس إليك، تمرض ربما بسبب كثرة الضغوط.. تتجمد تماما.. تصبح هذه الرسالة عبء ثقيل للغاية على نفسك.. الشىء الأساسي الذى يسألك كل الناس عنه ويتحدثون عنه ليل نهار، بعد السنة الخامسة غالبا مشرفك لا يطيقك ويريدك أن تنتهى حتى يأتى بطالب آخر..حتى لو كان من ألطف الناس تجد نفسكتتجاهل مقابلته حتى لا تقول له أنك متجمد مما يدفعك للتجمد أكثر..

أحاسيس لا تنتهى من ال
Imposter syndrome
وأنك لا تفقه شيئا وما تفعله ليس له معنى أو هدف وأن كل الناس تعمل إلا أنت.. يقولون لك أبدأ مبكرًا بالبحث عن الوظيفة..قراءة أى اعلان كافى لتشعر أنك ليس جيد بما يكفى لتجد عملا… الوظائف الاكاديمية فى أمريكا الشمالية تعد على الأصابع وتعرف أنك بالتأكيد لن تحلق بأى منها..ولا أى حال من ذا الذى يريد أن يكمل فى هذا القرف والضغط العصبى المتواصل؟ يكفى هذا القدر.. 31 سنة من التعليم المستمر بدون أى هدنة.. حتى فى الصيف كنت أذاكر وأقرأ وأخذ كورسات انجليزى وكمبيوتر..الآن لا استطيع الاستمرار أكثر من هذا…تعبت..

تعلم أنك لست وحدك، معظم المقربين منك يخبرونك أنهم مروا بمراحل مشابهة لهذا وأنهم كانوا يشعرون كما تشعر أنهم يفتحون قبرا كلما حاولوا العمل فى رسالتهم، ولكن تشعر أنك مختلف وأن مشكلتك أعمق منهم ربما ﻷنك حساس أكثر أو ربما ﻷنك فقدت اهتمامك تماما بها..

لماذا فقدت الاهتمام؟ وهل فقدته حقا؟ أعرف أنى فقدته، فلم تعد تستهوينى من فترة طويلة القراءة عن أى بحث فى مجالى أو حتى فى هندسة الكمبيوتر بشكل عام.. صرت أفضل العلوم الانسانية وعلم النفس والسياسة طبعا.. الغربة أظهرت بداخلى أديبة لم أكن أعرف بوجودها.. أتمنى أن أترك كل شىء وأتفرغ للكتابة ولدراسة علم النفس ثم العمل فى هذا المجال.. هل أغير مجالى بعد كل هذا؟ يقولون لى أن كثير من الناس تشعر مثل هذا الشعور أثناء الدكتوراة يريدون العمل فى شىء آخر وتغيير مهنتهم..صديقة لى قالت اعتبرى الدكتوراة تذكرة الخروج لتعملى بعد ذلك ما تريدين… ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، لا استطيع العمل فى الظلام بدون أى بصيص نور ولا استطيع العمل من أجل المال أو اللقب …صعب أن أدفع نفسى لعمل شىء لا أجد فيه شغفا ولا أجد له مكانا فى حياتى المستقبلية سوى لقب دكتورة الذى أكرهه على أى حال.

هناك الكثير من المقالات التى تتحدث عن أن طلاب الدراسات العليا الأكثر عرضة للأمراض النفسية ومقالات آخرى تتحدث عن مبرجمى الكمبيوتر وكيف أن المهنة تتدفعهم للجنون.. فما بالك لو جمعت بين هذا وذاك؟ لا أعلم ربما يكون اكتئابا عارضا أو أحد الأعراض الجانبية لكثير من الأشياء..طرقت أبوابا كثيرا ﻷخرج من هذه الحالة وما زلت لا استطيع الخروج منها. مجرد فتح الملف الذى من المفترض أن أكتب فيه يأخذ منى أياما، وكأن يدا تدفعنى بعيدا عنه.. وإذا حدث وفتحته أشعر وكأن شياطين الدنيا فوق رأسى فأغلقه بعد خمس دقايق ولا أعود لفتحه إلا بعد أيام من الصراع..

من السهل أن تقول أن هذا الأمر أو ذاك هو المشكلة ولكنها كلها أعراض لمشكلة أكبر بكثير…مشكلة فقدان الشغف الذى أعلم أنى إذا وجدته فلن يوقفنى شىء ولا حتى النوم عن العمل ليل نهار..

ملحوظة: هذه فضفضة لم أفكر ولو لحظة قبل كتابتها فى ترتيب كلماتها بل كتبت كل ما بداخلى دفعة واحدة ولن أعدل منه شيئا

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. Ibrahim Mohamed كتب:

    كان الله فى عونك ، صبرا فان الدنيا ليست بدار للراحة ( لقد خلقنا الانسان فى كبد )
    لعله خير ان شاء الله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s