Eleven MinutesEleven Minutes by Paulo Coelho

My rating: 4 of 5 stars

مبدئيا كما أفرد باولو كيويلو فى ملاحظاته فى خاتمة الكتاب هذه رواية عن “الجنس” كتبها مخصوصا عن ذلك الأمر وتم استيفاء بعض أفكارها من مذكرات أحدى العاهرات وكذلك قابل عدة العاهرات أثناء إعدادها..لذا أسوأ ما فى الرواية فى وجهة نظرى المتواضعة الحديث باستضافة عن الأمور الحميمة مما يجعلها رواية من تلك الروايات التى لا ينصح بها لمن هم دون الواحد والعشرين أو قد لا ينصح بها بعض المتدنيون مطلقا.

من ناحية آخرى هى ليست رواية جنسية عاطفية فارغة المعنى والمضمون بل على العكس هى رواية فلسفية لحد كبير فيها الكثير من التأملات عن الحب والجنس والألم والحياة والطموح والحرية ، ربما تقدم كثيرا من الأمور بطريقة جديدة وعميقة…تجعلك تفكر كثيرا مما يجعلها من نوع الروايات التى تعجبنى شخصيا كأحد من يلتمسون طريقهم فى عالم الكتابة. ساحاول هنا أن أناقش بعض الأفكار الورادة فى الرواية لذا فإذا لم تقرأها بعد ربما أفسدت مناقشتى عليك الأمر. لذا وجب التحذير.

أولا: الدعارة: لماذا تمتهن بعض الفتيات هذه المهنة التى ينظر إليها الكثيرون باحتقار ؟ هذا السؤال سألته ماريا بطلة الرواية عندما انزلقت أقدامها لهذه المهنة وحاولت أن تفتش فى نفسها لماذا قبلت بهذا الأمر بل وسألت كل الفتيات زميلاتها ولم تجد إجابة شافية.. ليست المغامرة، فهناك الكثير من الأشياء من الممكن أن تغامر فيها مثل التزحلق على الجليد، ليست الأموال على الرغم من أنها الحجة الظاهرة التى تسوقها القتيات، ليست الرغبة ﻷن “ماريا” لم تكن تصل للمتعة الجنسية مع أى من زبائها… إذن لماذا؟

نلمح الإجابة فيما بعد عندما تجد “ماريا” نفسها تقوم بدور الأم الحنون أو الصديقة مع زبائنها..يفضضون لها بمشاكلهم وعيوبهم…تذهب للمكتبة وتستعير الكثير من الكتب عن علم النفس والاقتصاد والحياة لتستطيع تقديم العون لهم اعتقادا منها أن هذا سيزيد البقشيش الذى تحصل عليه أو ربما رغبة حقيقية فى المساعدة لدرجة أنها كانت لا تترك الكتاب من بين أيديها فى غير أوقات العمل فأطلقوا عليهافى الحانة “العاهرة المثقفة”. وعندما قص عليها “رالف” أن أحد الروايات عن نشأة الدعارة وهى الجنس المقدس لمعت عيناها.. القصة التى يقولها رالف أن قديما كانت نساء المدينة يذهبن للمعبد مرة فى الشهر ليقدمن ليلة للضيوف الغرباء كنوع من واجب الضيافة مقابل أجر زهيد.. فالجنس وقتها كان خدمة مقدسة ثم تطور الأمر ربما منذ 2000 سنة أو أكثر مع نشأة الأديان السماوية وربما لانتشار الأمراض. فتبدو “ماريا” أنها أعجبت بموضوع أن ما تفعله شيئا ربما يكون مقدسا ومقدرا.

تذكرنى رواية “رالف” بمقالة كتبتها عاهرة فى جريدة أمريكية شهيرة شرحت فيه أنها امتهنت هذه المهنة أساسا لتقوم بعمل لا يتطلب وقتا ولا مجهودا كثيرا ويكفل لها أموالا تكفى ﻷن تقوم بالعمل الآخر الذى تحبه “الكتابة” ولكنها فى الواقع أحبت مهنة الدعارة ﻷنها وجدت أنها تقوم بأداء خدمة لرجال تمنعهم أشكالهم القبيحة أو مكاناتهم فى المجتمع من الذهاب للبار واغواء فتاة بدون نقود. كذلك قالت أن أغلب زبائنها أناس ممن يصنفهم الناس محترمين وربما من عيلة القوم كما هى الحالة عند “ماريا”… فهل عند بعض العاهرات طاقة للعطاء تدفعهن لهذه المهنة مثلا؟ ربما نعم وربما لا. ولكن تبدو “ماريا” كذلك وربما كان هذا أحد دوافع حبها لرالف ﻷنه قال لها أنه يحتاج إليها وشعرت أنها قادرة على مساعدته للخروج من أزمته.

الأمر الثانى الذى ربما يكون سببا فى امتهان الدعارة هى رغبة هولاء الفتيات بالاحساس بالألم والمعاناة..وهذا شىء اتضح قليلا عندما ظهر الرجل الانجليزى السادى فى حياة “ماريا”.. الرواية بها الكثير من البحث عن علاقة الألم باللذة وكيف أن هذا الرجل كان يستعذب شعوره بالغيرة على زوجته المطربة المشهورة مما يجعله يحبها أكثر ومن هنا بدأ قراءاته عن السادية والمازوخية مما جعله يطور علاقته بزوجته فى هذا الاطار وكذلك يطور من طريقة ظهورها على المسرح ترتدى جلدا وممسكة بالسوط مما كان يثير الشباب كثيرا. لماذا استسلمت “ماريا” لتجربة الألم والخضوع والذل مع هذا الرجل؟ هل من باب المغامرة أم لأنها من أعماقها كانت تريد شيئا يشعرها بالألم ربما تكفيرا عن الدعارة؟ أو ربما هى قبلت بامتهان الدعارة أصلا ﻷنها تريد أن تشعر بالوضاعة وتستلذ بذلك؟

ثم نتوقف قليلا عما فعله “رالف” معها ليشفيها من آثار الليلة التى قضتها تستلذ بالمازوخية على شكل استعباد الرجل الانجليزى لها. قام “رالف” بجعلها تمشى حافية على الأحجار وهى ترتدى ملابس خفيفة للغاية فى البرد القارس حتى بلغ الألم معها منتهاه وانتقلت لحالة من السلام التى ربما أفضل بكثير مما خبرته مع الرجل الانجليزى. هناك أحاديث مطولة عن معنى الألم والتضحية بالنفس سواء من أجل الوطن أو الحبيب أو الأولاد وأن فى هذا لذة فى حد ذاته… ولكن “رالف” أراد أن يجعلها ترى أن المتعة الحقيقة فى الألم لا تأتى من استعباد أحد ﻷحد أو من الذل.. كان لافتا للنظر أيضا الحديث أن هناك دراسات غير موثقة أنه فى حالة الألم الشديد يتم افراز شيئا يسبب هلاوس.. وربما يكون هذا تفسيرا لبعض الروايات التى نقرأها عن ناس شاهدوا أشياء غريبة أثناء تعذيبهم ربما كانت هلاوس أو وهم من المخ لاحتمال الألم.

الحديث عن اللذة بالألم يبدو شيقا للغاية ﻷن هناك كثير من الدراسات عن أن بعض مرضى الاكتئاب لا يشفون منه رغم الأدوية ﻷنهم يستعذبون حياتهم هكذا..وكذلك الأمر فى الإدمان وفى معظم الأشياء التى تسبب تعاسة للانسان، ربما كان نوعا ما من متلازمة استكهولم.. كنت أتساءل دوما عما يدفع العشاق لللارتباط بشخص يعذبهم ..أوضح مثال لهذا حب أحمد رامى ﻷم كلثوم والقصائد الموجعة التى كتبها فى هذا الحب.. ربما ظن البعض أن هذا الحب فيه الكثير من انكار الذات ولكنه ربما يحمل كذلك الرغبة فى تعذيب النفس واللذة بالألم كما حدث مع هذا الرجل الانجليزى وزوجته.

من ناحية آخرى كانت قصة مؤثرة تلك التى كتبتها “ماريا” عن العصفور الذى أعجبت به سيدة فحبسته فى قفص ثم أهملته حتى ذهب جماله ومات وبعدها حزنت عليه حتى ماتت وجاء ملك الموت ليأخذ روحها لتطير مع العصفور فى حرية..القصة مؤثرة فى شخصيا ﻷنى كتبت من قبل قصتين شبيهتين جدًا بها ولو قرأ أحدهما ما كتبته بعد هذه الرواية لظن أنى اقتبستهما منها.. ولكن ربما كانت روحى فيها شيئا من روح من كتب هذه القصة..ربما.

 

فى الرواية هناك حديث آخر ممتع عن “الشغف” وكيف أنه عندما يأخذ الانسان ينسيه كل شىء أن يأكل أو أن يشرب أو أن ينام ولهذا بعض الناس يهرب من الشغف أو يحاول أن يجعله محكوما حتى لا يذهب بحياتهم إلى الفوضى فى حين أن البعض الآخر يستهويه الشغف ويبنى كل حياته عليه ويعتقدون أنه حل كل مشاكلهم وهم عادة أما متحمسون جدًا ﻷن شىء رائع حدث أو متكئبون بشدة ﻷن شىء حدث أفسد كل شىء..وتتساءل ماريا عما هو أنسب هل التحكم فى الشغف والهرب منه أم البحث عنه؟ فهل كانت ماريا تبحث عن الشغف فى كل هذه العلافات والمغامرات؟

ما الذى دفع ماريا لترك الدعارة وفى التو واللحظة حجزت تذكرة العودة لبلادها البرازيل؟ هل لو لم تكن قابلت الرجل الانجليزى ورالف كانت ستأخذ نفس القرار؟ لقد شفاها رالف من المازوخية ووجدت معه الحب واللذة التى كانت تبحث عنها، فهل كانت تهرب من الحب؟ كانت تخاف أن تتحول لعصفور فى قفص فيذبل وينتهى كما فى القصة التى كتبتها فى مذاكرتها؟ هل هذا ﻷنها كانت تستعذب ألام البعد عن شخص أحبته وأحبها؟ هل كانت تسعى لقتل سعادتها المرتبقة؟ أم تخاف أن يبعد هو عنها ويهجرها ففضلت أن تبدأ هى بالبعد؟ الشىء المحير أن “ماريا” كانت تعود دائما للحظة الطفولية التى رفضت فيها محاولة ولد تحبه التقرب منها وتراها فرصة عمرها الضائعة وكانت تلك اللحظة دافعا لها لتدخل فى مغامرات عدة حتى لا تضيع أى فرصة وكأنها تبحث عن شىء ما لا تجده فى أى من هذه الفرص..وعندما وجدت هذا الشىء مع “رالف” تركته ورحلت!! النهاية السعيدة أن “رالف” لحق بها فى المطار تبدو مفتعلة حتى لا يحزن القارىء… ولكن تبدو أن النهاية الحقيقية هى الرحيل والعذاب لباقى العمر فهى نهاية مناسبة أكثر لشخصية “ماريا” فى رأيى.

View all my reviews

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s