مقدمة ضرورية:
هل نحكى عن تجاربنا فى الغرب أم لا؟
فى كل موقف يدور هذا السؤال فى ذهنى..هناك من يقول أننا هكذا نجعل الناس يشعرون باليأس والاحباط ونشجعهم على الهجرة وهناك من يقول أننا بهذا الكلام نجيب لأنفسنا الحسد وهناك من يقول أنه لابد للناس أن تفهم ما ينقصهم حتى يسعوا إليه بدلا من الوهم الذى يعيشون فيه (أم الدنيا وكده)…
الرأى الثالث هو الأقرب لنفسى ولكن فى نفس الوقت أحاول ألا أنظر للأمر بصورة سطحية من الظاهر..بل أحاول أن أفتش فى عمق الأمور..لماذا؟ لماذا هم هكذا ونحن هكذا؟


حوادث متفرقة من كندا:
– أتذكر أنه فى يوم ضغطت بالخطأ على زر الموبايل الذى يطلب 911 مباشرة فأغلقته سريعا، ربما كانت رنة واحدة أو أقل. ولكنى فوجئت بهم يطلبونى فاعتذرت لهم وقلت أن الأمر خطأ فأخذوا يتحدثون معى ويسألونى عن أشياء متعددة حتى يتأكدوا تماما أنه لا يوجد شخص بجوارى يهددنى حتى أقول هذا.. وهذا الأمر تكرر حوالى 3 مرات فى أوقات مختلفة بنفس السناريو.
– مرة شعرت بالقلق على أحد صديقاتى ﻷمر ما فاتصلت بهم وكانوا كل ما يحتاجونه هو الاسم فقط فلديهم قاعدة بيانات بعناوين الناس وتليفوناتهم وكل شىء عنهم..وفعلا ذهبوا لهم بناء على مكالمتى وتعاملوا مع الموقف..
– حدث كذلك مشادة بين سيدة كندية وجارها المسلم غير الكندى بسبب خناقة أطفالهم أثناء اللعب فاتصل بالشرطة وقال أنها هددته وأنه خائف على أطفاله فأخذوا تعهد منها بعدم التعرض له.
– مرة رأيت فرع شجرة على وشك التساقط فخفت أن يقع على أحد فاتصلت بهم وفى خلال 5 دقائق كانوا يعالجون الموقف.
– مرة كنت راكبة الأتوبيس وتوقف فى أحد المحطات فقال أحدهم للسائق أن هناك شخص يبدو عليه الاعياء فاتصل السائق بالشرطة من تليفون الأتوبيس ولم يتحرك حسب تعاليمتهم من المحطة وفى خلال 3 دقائق جاءت الشرطة والاسعاف وجلس الطبيب باللاب توب بجانب الشخص وبدأ يساله والشرطى يراقب الأمر من بعيد ثم شكر السائق وقال له أنه يمكنه أن يرحل واعتذر لنا السائق ﻷنه اضطر للتأخر 5 دقائق عن الوقت المفترض أن نصل فيه…
-أتذكر أنه عندما ضاع باسبورى ذهبت لأعمل محضر فى أحد أقسام الشرطة فى كالجرى وكان اليوم حار ووجهى أحمر من الحر فسألنى الضابط إذا كنت أريد بعض المياه…طبعا أنا اندهشت اندهاش عظيم وكنت هأسأله أنت كرتون ولا بجد؟ ولكنه قام للثلاجة وأحضر المياه وصبها لى وعندما انتهيت سألنى إذا كنت احتاج المزيد من المياه وكان يتحدث بمنتهى الاحترام والأدب كل هذا وأنا امرأة مسلمة ترتدى الحجاب غير كندية وكمان ليس معى باسبور.

حوادث شخصية من مصر:
– أتذكره بالنسبة لتعاملى فى التليفون مع الشرطة فى مصر أنى مرة كلمتهم وأول ما سمع العسكرى صوتى (الذى يشبه صوت الأطفال قليلا) قفل السماعة وكلما طلبته بعدها لا يرد غالبا ﻷنه يرى النمرة. بعدها فهمت لماذا أول شىء يقوله والدى عن الاتصال بالشرطة أو التعامل مع الحكومة أنه ضابط.
-عندما رجعت لمصر لأعمل نفس المحضر عن الباسبور المفقود أعطانى الأمين ورقة المحضر التى من المفروض أن يكتب عليها المحضر وقال لى صورى لنا هذه النسخة عشر نسخ من المكتبة اللى قدام القسم. ثم طلب منى 2 جنيه رسم محضر فدخلت لمأمور القسم وقلت له أنتم تأخدون من الناس رسم محضر وكمان تطلبوا منهم يصوروا الورق اللى بيتعمل عليه المحضر قال لى هنعمل ايه؟ لا توجد امكانيات من الوزارة نظرت للماكنة التى أمامه والتى تقبع فى صمت تام فقال لا يعطونا فلوس لنشترى ورق (المهم فهمت بذكائى أن الموضوع سبوبة بينهم وبين صاحب المكتبة)..
وكفاية لحد كده ﻷنى لا أريد أن أقلب فى مواجع كثيرة.

المهم: لماذا هم هكذا؟
1- التدريب:
عندما حضرت كورس فى الاسعافات الأولية للأمراض النفسية كان من ضمن الحضور شرطية من التى ترد على 911 وعرفت أنهم لايد أن يأخذوا هذه الدورات التدربية وانها من شروط الترقية. كذلك الأمر عندما حضرت دورة مشابهة فى الجامعة كان من ضمن الحضور أفراد من أمن الجامعة. ..وفى كل دورة نفسية أو مجتمعية أحضرها كان يوجد من الحاضرين شرطى واحد على الأقل.
لا علم لى بالتدريب البدنى والجنائى أنا أتكلم فقط عما شاهدته فى مجال الصحة النفسية والتأهيل للتعامل مع حالات المقدمين على الانتحار والادمان والاكئتاب الجسيم والهلاوس وما إلى ذلك.

2- سعر البنى آدم:
الأمر ليس انسانى فقط كما يتخيل البعض ولكن البنى آدم له سعر مادى ..ولهذا تبدو حكومة مصر أكثر اهتماما بالأجانب عن المصريين ﻷنها ستدفع تعويضات كبيرة لهم لو لا قدر الله حصل لهم شىء كما أن هيجان الاعلام العالمى ليس فى صالح السياحة مما ينعكس الأمر على مصالح كبار الأعمال فى هذا المجال..

فى كندا هناك سعر للانسان نابع من أشياء متعددة منها الصحافة طبعا ومنها صورة عمدة المدينة المنتخب وأعضاء البرلمان أمام من ينتخبونهم ومنها أن كل المقيمين فى الولاية سواء كنديين أو غير كنديين لهم تأمين صحى فى معظم الأشياء الأساسية واليوم الواحد فى المستشفى يكلف آلاف والعملية تكلف مئات الآلاف والأدوية تكلف كذا… لذا فلو حسبت الأمر اقتصاديا لوجدت أن المحافظة على صحة وحياة هذا الانسان أولوية ليس فقط انسانية ولكن اقتصادية حتى لو كان هذا الانسان عاطلا عن العمل مثلا وليس له قيمة فى السوق. أيضا هناك تأمين على معظم الأشياء: السيارة والمنزل والمصنع وما إلى ذلك..فى الكوراث الطبيعية مثل الفيضانات التى حدثت فى كالجرى العام الماضى شركات التأمين دفعت دم قلبها للمتضررين..وكانت ستدفع أضعاف أضعاف المبلغ ﻷى حالة وفاة..
يكفى القول أن لو سرقت حقيبتك من سيارة متأمن عليها فشركة التأمين ملزمة بتعويض الأمر…لذا فشركات التأمين تمثل بمفردها لوبى على الحكومة والنظام لتقليل الخسائر المادية والبشرية ونشر الأمن.

أعلم أن لغة الأرقام جافة ولكن الأمور يتم حسابها على الأقل فى العقل الباطن هكذا..لو حدثت مثلا حادثة اغتصاب فى جامعة كندية لا قدر الله بخلاف تعويض الضحية وعلاجها النفسى ستكون الجامعة مسئولة عن معالجة الطلاب أصدقائها المتضررين نفسيا من الحادث وسيؤثر الأمر على رغبات الطلاب الذين يتقدمون للجامعة فى العام التالى غالبا سيختاروا جامعة أكثر آمنا مما يضر رجال الأعمال المستثمرين فى الجامعة ومصالحهم (بصرف النظر عن أى نواحى انسانية آخرى). لذلك لا تستغرب إذا قلت لك أن هناك خدمة أمنية متوافرة على مدار ال24 ساعة فى جامعتى لتوصيلك من أى مكان ﻷى مكان داخل الجامعة، هناك كاميرات مراقبة، هناك طائرات هليكوبتر وسيارات أمن تلف طوال الليل، هناك وهناك..
نعم استثمارات مادية مهولة فى مجال الأمن ولكن توافرها نابع ليس فقط من الناحية الانسانية ولكن من أن الانسان له سعر وتكلفة وقوع ضرر له فادحة جدًا اقتصاديا وسياسيا.

3- الاستقرار السياسي:
الشرطة مهمتها تعقب المجرمين اللى هم المفروض قلة قليلة من أى مجتمع طبيعى والجيش مهمته حماية الحدود وأحيانا يتدخل عندما يفوق الأمر قدرات الشرطة مثل الفيضانات التى حدثت فى كالجرى تدخل الجيش مع الشرطة لتقليل الخسائر..
لذا عندما تشيطن ربع الشعب وتحوله لمجرمين وتتعقبه أمنيا وأنت أصلا امكانياتك محدودة ..أكيد هتنسى وظيفتك الأساسية. مش محتاجة فكاكة يعنى..
لذلك البلاد التى فهمت الفولة عرفت أن التورتة عندما يتم تقسيمها على الجميع يرتاح الجميع حتى لو نصيب البعض يبدو أقل قليلا ولكنه أفضل بكثير من الصراع المستمر الذى يدفع ثمنه الجميع.
ولذلك أوروبا مثلا بعد الحرب العالمية الثانية وكل المجزار التى حدثت فيها قدرت أنها تتوحد فى الاتحاد الأوروبى وتنسى الماضى..ﻷن من مصلحة الجميع التكاتف وليس التناحر.

هناك أشياء آخرى كثيرة بالطبع مثل الامكانيات المادية وثقافة الشعوب وقلة عدد السكان والرخاء الاقتصادى والتعليم إلى آخره ولكنى اخترت أن أركز على ما أراه نقاط أساسية يمكن البدء فيها إذا كنا نريد التغيير:
الصحة النفسية والتدريبات النفسية – تأمين صحى واجتماعى لرفع سعر الإنسان – التجريس الاعلامى للتراخى الأمنى – الاستقرار السياسى وعدم الشيطنة (مش نجيب شيخ يقول لهم ناس ريحتهم وحشة ولا نريدهم بيننا).

والله لا أبغى أن يشعر الناس بالاحباط بالعكس أريدهم فقط أن يفهموا لماذا يحدث ما يحدث هنا وهناك ﻷن أحيانا الواحد عندما يفهم يرتاح قليلا

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. لماذا هم كده؟؟ كده اللى هو ايه انا هقول واجرى على الله..
    كده ده انهم مكن وحضارة فارغة فى جوهرها يبان لكل ناظر او ما يظن انه مدقق للامور انهم بيحترموا المراة المسلمة المحجة او الفئات الاكثر ضعفا او ما هم على غير جنسيتهم…

    النظرة الاكثر دقة..

    انهم بشر بلا قلب او عقل حياة فارغة من اصلها ايه سبب الحياة هى اعمار الارض…ليه الصرف على السلاح وتمويله فى كل بقاع العالم الا اراضيهم… ملحوظة انى اتكلم على الحضارة الغربية اللى كندا جزء منها زى العصابة كل واحد فى العصابة له دور محدد ميش كل العصابة قاتل او حرامى لازم فى واحد وشه باسم يجذب الضحية الكلام يطول ويطول

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s