كتبت لك مطلع خطابى هذا عشرات المرات..مرة أكتب “ولدي العزيز” ثم اجعلها “ولدي الحبيب” ثم أغيرها إلى “قرة عينى” ..عشرات التعديلات التى لا أشعر أنها تكفى لتعبر عما أحمله لك فى قلبى..بل على العكس أحس أنها مجرد ابتذال لمشاعري ..لذا فقد استقررت
فى النهاية أن أخطابك فقط بولدى.ربما لا تذكر يا صغيرى أننى أخذتك معى للسباحة فى البحر وعمرك ستة أشهر فقط..وكنت أترك يدى من حولك وأتركك لتتعلم الاتزان بمفردك، فإذا اختل توازنك سارعت يدى بانقاذك..كان كل من فى الماء يروننى مجنونة لكى أفعل هذا برضيع..والبعض خاف أن أتسبب فى رهبتك من المياه لبقية حياتك..ولكن ما حدث هو العكس تمامًا، فقد اعتدت مياه البحر وصرت تتعامل معها بكل جرأة فى حين يصرخ الأطفال الآخرون عندما يحاول والداهم تعليمهم السباحة. وذلك يا صغيرى ﻷنك مميز، نعم أنا أعلم أنك مميز وطالما أخبرتك بهذا..طالما قلت لك أنك ستكون أفضل منى..لا تهم الدرجات ولا الشهادات، ما يهم حقًا هو ذاك القلب الجرىء الذى أعرف أنه بك..ما يهم هى تلك الروح الآبية التى ترفض التسلط والتحكم وتتمرد باستمرار لتنال حريتها..هذه الروح التى أعرف أنها ستقودك للطريق الذى ستكون فيه نفسك أنت وليس مجرد ظل ﻷى شخص آخر.

ولدى:
وانا أراك الآن تصارع أمواج بحر الحياة، يكاد قلبى ينفطر عليك وأفكر المرة تلو المرة أن أطلب منك أن تخرج من هذا البحر لكى أحميك من كل مشاعر الإحباط والغضب واليأس..أكاد أن أنقض كنمرة متفرسة على كل من يأذيك أو حتى يفكر فى إيذائك..وفى اللحظة الأخيرة أتدارك نفسى وأتذكر وأنا أحملك رضيعًا فى مياه البحر وأتذكر أنه لولا المعاناة لما تعلمت العوم ولما عشقت البحر.كم كنت أتمنى يا ولدى أن يخترعوا آلة يستطيع بها الكبار نقل خبراتهم للصغار فى لمح البصر ويجنبوهم بذلك الكثير من الآلآم..ولكننا فشلنا..نحن فقط نتكلم كثيرًا، نكتب كثيرًا، وأحيانًا نخطأ ونتدخل فى حياتكم ظنًا منا أننا نعرف ما هو الأفضل لكم..وننسى أن مئات الدورس فى قيادة السيارات لن تصنع قائدًا محترفًا بدون أن تتركه يقود سيارة بالفعل..وننسى أن آلاف الدروس من السباحة لن تصنع سابحًا ماهرًا بدون أن تلقى به فى المياه..لماذا إذن لا نترككم وشانكم؟ لماذا لا نكتفى بأن نتكلم ونكتب ونراقبكم وأنتم تخضون غمار تجربة الحياة وتتعلمون من أخطائكم كما تعلمنا نحن؟ لماذا نأخذ منكم أمتع ما فى هذه الحياة، متعة التجربة والمخاطرة، متعة الخطأ والصواب؟

ولدى: وأنت الآن تواظب على تدربيات السباحة ترى المدرب وهو يشرح لك كيفية سباحة الصدر والظهر والفراشة..ولكن فكر قليلًا من الذى اخترع هذه الأنواع من السباحات؟ هم بالتأكيد بشر مثلى ومثلك فكروا فى أنسب طريقة لجعل الإنسان يسبح بسرعة..لماذا تتقيد إذن بهذه الأنواع فقط؟ لماذا لا تتمرد وتبتكر وتزيد حركة هنا وحركة هناك ليكون لديك الاستايل الخاص بك…ليس من الضرورى أن يكون الدافع وراء هذا الابتكار أن تعممه وتعلمه لغيرك ولكن الأهم أن تشعر أنت بالتناغم والسكون وأنك تسبح به..تشعر أنه شىء تم تصميمة خصيصًا لك ..لك وحدك.

وكذلك يا صغيرى بحر الحياة..سيخبرونك بأن أفضل طريقة هى كذا او كذا أو كذا…استمع إليهم..جرب طرقهم ولكن تمرد عليها كلها، تمرد علي أنا شخصيًا وقل لى لا لن أفعل ما تقولينه هذا لا يصلح لى..ثم ابتكر أسلوبك الخاص بك..الأسلوب الذى تكون فيه أنت وليس أى أحد آخر..فقط عندها يا ولدى ستجد طريقك وستشعر بالاطمئنان ﻷنك أخيرًا أصبحت نفسك وعندها ستدرك معنى كلامى لك بأنك مميز.

صغيرى: أتراك تشعر بالغضب ﻷنى أقول لك يا صغيرى وأنت اليوم أتممت عشرين عامًا؟ لا تغضب فربما بعد عشرين عامًا سيأتى اليوم الذى تراقب فيه صغيرك وهو يصارع أمواج الحياة وستشعر بما أعانيه اليوم وأنا لا أملك لك غير الكلام فقط وبعضًا من الدعاء.

وفقك الله لكل ما يحبه ويرضاه وهداك إلى صراطه المستقيم.

دينا سعيد
23-2-2013

إهداء إلى أخى الصغير محمود فى عيد ميلاده العشرين

 —

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s