قرأت اليوم ما كتبه أحمد ماهر عن إبراهيم عيسى وكيف أنه كان ينظر إليه كمثل أعلى ويسأل عن رأيه فى كل خطوة وفوجىء به يشهد شهادة زور فى المحكمة عن تواجد الشرطة أثناء الثورة، موقف ليس فيه التباس وليس فيه شىء نتفق أو نختلف عليه مثل آرائه أو عمل زوجته أو مواقفه المختلفة… شهادة الزور واضحة لا تقبل التأويل.
أحمد ماهر يقول أنه كان يصور مقالة إبراهيم عيسى فى الدستور ويوزعها على الناس فى الشارع ..والآن لا يفهم ويحاول أن يربط بين المعلومات التى سمعها أنه كاتب من كتاب المخابرات المدسوسين لاجهاض مشروع التوريث..قوى سياسية بتحارب بعض فى البلد ومأجرين كام كاتب وكام وجه معارضة لكى يضربوا بعض… طيب وأحنا ذنبنا ايه؟

الجيل اللى قرأ لكم وصدقكم وانفعل بما كتبتوه وضحى بنفسه ..هبل؟ ..
فى نفس اليوم: يظهر عبد المنعم أبو الفتوح ليقول أن السيسي حقق انجازا فى مكانه ومن حقه أن يترشح وان كان لا يفضل هذا…مرة ثانية: موقف لا يقبل أى تأويل أو اختلاف…موقف لا اخلاقى صرف…الدكتور يعلم أن السيسي لا يترشح للرئاسة ولكنه كٌلف بها من المجلس العسكرى وبالتالى الموضوع مسرحية..أما انجازات السيسي من حيث حدوث أكبر مذبحة فى تاريخ مصر الحديث فى عهده فهذا لا تعليق عليه…

تفكر طيب كيف؟
الشخص الذى كان الطالب الوحيد الذى واجه السادات فى عزه وأحرجه فى اجتماع اتحاد الطلبة وحتى بعدما قال له السادات “اثبت مكانك” لم يتوقف على الكلام..الشخص الذى له فضل كبير فى انضمام جزء كبير من شباب الجماعة الاسلامية إلى الأخوان وتحويلهم من العنف إلى العمل الاجتماعي
كيف يسقط سقطة مثل هذه؟ ومن أجل ماذا؟

منذ أيام قليلة عمرو خالد صور فيلم دعائى للتصويت للدستور وأظهر فيه ورق التصويت بنعم وهو الذى أعلن التزام الحياد منذ الانقلاب فى موقف كنت أراه محمودًا (أفضل ممن تكلم بالباطل على الأقل)، مرة ثانية سقطة ليس هناك مجال لتأويلها…ليس ﻷنه صوت بنعم (هذا من الممكن أن نختلف أو نتفق عليه) ولكن السقطة هى استغلال نفسه فى الدعاية غير المباشرة ﻷمر سياسي هو بنفسه أعلن اعتزاله..

وإذا تكلمنا عن الزلنطحى الكبير معتز عبد الفتاح فمن الممكن أن نكتب قصائد..ظللنا نلتمس له العذر ونقول اختلاف آراء وهو حر حتى وصلت الأمور لسقطات مثل مصر تحتاج لفرعون ونحن لا نفهم الديمقراطية والشعب لو صوت بلا الدولة هتقلبها نعم إلى أن صرح بأنه كان أحد الذين شجعوا المجلس العسكرى على الانقلاب وعلى استئصال الأخوان على طريقة عبد الناصر وعلى ترشيح السيسي…

من تانى فى القائمة؟ مشايخ حزب النور لم أثق فيهم يوما أصلا ﻷن توجهاتهم تأتى من السعودية والسعودية ضد الثورة المصرية قلبا وقالبا حتى لا تنتقل عندها ولكن أن يصل الأمر بمتحدثهم الرسمى بالثناء على وزير الداخلية من أجل الأعمال العظيمة التى قام بها فهذا يجعلك تتساءل “دين أبوكم اسمه ايه؟”

طبعا الممثلين والفنانيين العظام مثل على الحجار ومحمد صبحى ومحمد منير اتضح أنهم يغنون ويمثلون أشياء لا يفقهونها أو ربما ينسونها بعدما يقولنها.

أسماء وأسماء قرأنا لها وتأثرنا بها وشكلت وجداننا كلها سقطت سقطات ليس لها مجال للتأويل… وبدأ يظهر أن كثيرًا من هذه الأسماء كانوا نجوما ﻷن هناك قوى سياسية معينة تريدهم كذلك فتم تلميعهم ليؤدوا وظيفة محددة فى اطار معين..ويبدو كذلك أن لدى الجهات الأمنية ما تكسر به عين كل واحد فيهم حتى لا يخرج عن النص…

يبدو أن جيل الشباب وقع الكثير منهم ضحية لهولاء ممن اعتقدوا أنهم أصحاب مبادىء وقيم… وواضح أن كثير منهم كانوا يوجههون الشباب ويمدونهم بمعلومات وتوجهيات تصب فى مصب معين…خيبة أمل أحمد ماهر فى إبراهيم عيسى وخيبة أمل آخرين فى معتز عبد الفتاح ومصطفى حجازى وعبد الحليم قنديل وعمرو خالد ونبيل فاروق وعبد المنعم أبو الفتوح موجوعة ولكنها تدل على شىء هام وهى أنهم نجحوا -ربما بدون أن يقصدوا- أن يصنعوا جيلا مختلفا، نعم هذا الجيل تعلم منهم ولكنه لم يسير ورائهم بالكلية.. هذا الجيل قراره إلى حد ما من دماغه..
ولنتحدث مثلا عن أكثرهم شعبية عمرو خالد: هل بعد نشر فيديو تصويته بنعم فى اليوم الأول للاستفتاء تغير موقف أحد شاب من الشباب المقاطعين؟
اعتقد لا…بل على العكس فى شباب أكتر عندوا..
هل بعد كلام أبو الفتوح عن السيسي، سينظر الشباب المؤيدين لأبو الفتوح والذين كانوا يعلمون فى حملته ليل نهار نظرة مختلفة للسيسي؟
اعتقد لا.. بل على العكس اتوقع استقالات بالجملة من مصر القوية.

ما اعتقده أنه كان هناك تأثيرا لهولاء عندما كانوا يقولون ما بداخلنا وما هو متسق مع فطرتنا…الشباب ناقم على أوضاع البلد وعلى الظلم وعلى القهر ولقد وضع الله على لسان هولاء ما نريد أن نسمعه فثبت أكثر الفكرة بداخلنا… كمثال بسيط الابن الذى يتعلم من والده حكايات الصدق والأمانة ويحفظها ويرددها ويعمل بها، هو فطرته سليمة فهذه الحكايات لامست وترا بداخله..إذا جاء والده وكذب وسرق فيما بعد، أكيد سينصدم الولد وسيكره هذا الفعل ولكن إذا كانت التربية صحيحة والفطرة سليمة أصلا فسيظل صادقا حتى ولو كذب من علمه…

وهنا تأتى أهمية أن يكون للانسان مقاييس يقيس بها الأمور حتى لا يكون رأيه وقراره متأثرا بكلام وخلاص..
مبارك ظل فى الحكم 30 سنة (أى ما يزيد عن ربع قرن)، نسيب كل الكلام الذى كتبه إبراهيم عيسى ومصطفى بكرى وعلاء الاسوانى وعبد الحليم قنديل ، ونمسك الاحصائيات الدولية ماذا تقول عن مصر وأين تضعها مقارنة ببقية الدول وكيف تدهور الحال خلال هذه ال30 سنة؟
كذلك الأمر فى بقية الأمور.. ولذلك يخرجنا من هذه الدوامة قليلا أن نبتعد عن الحكايات ونتكلم بالأرقام التى لا تكذب ..حتى فى المبادىء والقيم يخرجنا من دوامتها سؤال بسيط جدًا وبديهى : وهل أحب أن يُفعل بى أو بأحبتى المثل؟

قالوا “يُعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال” وهذه الثورة الكاشفة هدمت وستهدم الكثير من الأصنام بداخلنا.. هى مرحلة اضطراب بلا شك ولكننا سنخرج من هذا التيه إن شاء الله بأعظم الدروس التى نعلمها للجيل الذى يلينا.. ولا هم أصلا ليس بحاجة لنا لتعليمهم يكفى ما يرونه أمامهم.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s