لم يكن فى هذا الخاتم شيئا مميزا، خاتم من الفضة لا يتجاوز ثمنه مائتى جنيه أبتعه مصادفة من محل فى وسط البلد عندما كنت اشترى بعض الهدايا لأصدقائى فى كندا وخطر ببالى كعادة معظم النساء أن اشترى شيئا لنفسى بالمرة..تعرف يا صديقى أن المرأة مننا تنزل الأسواق وهى تنوى شراء خمسة أشياء فتعود بعشرين ومن المحتمل أن تنسى الأشياء التى كانت تريد أن تشتريها أصلا. حقا لا أعلم ما الذى جعلنى ارتبط بهذا الخاتم؟ هل هى زهرة اللوتس المرسومة عليه والتى تذكرنى بمصر؟ حتى اللؤلؤة التى فيه لا يبدو أنها أصلية ولا أتذكر أنه فى مرة لمح أحد أصدقائى أنه جميل أو ملفت كعادة ما يفعلون مع الأشياء الآخرى..هو عادى جدًا ولكنى أحبه.

وفى يوم اختفى الخاتم، نعم هكذا اختفى..بحثت عنه فى علبة الخواتم ﻷرتديه فلم أجده، جعلت أتذكر متى كانت آخر مرة رأيته..نعم أتذكر من يومين كنت أبدل ملابسى بملابس الرياضة فى أحد حمامات الجامعة ووضعت كل حُلي وهو من بينها فى حقيبتى الشخصية..يحثت فى الحقيبة فلم أجده، دورت هنا وهناك فلم أجد له أثرا..قلت سيظهر فيما يعد ونسيت الأمر أو تناسيته..

مرت 6 شهور سريعا ..أحيانا كنت أتذكره وأنا أبحث عن خاتم فى علبة الحُلي لأرتديه ..وعندما كنت أرى أحد المحال التى تبيع الفضة كنت أظل أقيس الخواتم المختلفة ثم أمضى ولا يعجبنى شيئا..هل كنت أبحث عن خاتم يشبه؟ وكيف كان لى أن أجد زهرة لوتس فى كندا؟ أحيانا كنت أجدنى أردد عبارة “رضوى عاشور” فى “أطياف”:
“ضاع كما يضيع من الإنسان خاتم ثمين دون أن يعرف إن كان سقط منه او سُرق فلا يبقى له سوى التسليم بضياعة والإحتفاظ بمرارة جماله وفقده معًا.” كنت أرددها فلا أعرف إن كنت أنعيه أم أنعى حلما ضاع منى.

وهكذا تأخذنا الحياة بعيدا عن الأشياء التى ضاعت مننا فى زحامها ولكنها أيضا قد تفاجئنا ..وهكذا وجدته…لا لم أكن أنظف الشقة فوجدته فى ركن منها..ولم يحضره لى أحد وجده مصادفة ونساه كل هذا الوقت…ليس أى من هذه النهايات المنطقية.. فقط وجدته يلمع فوق سطح المكتب فى منزلى.. كيف وصل هناك؟ لا أدرى..لا أخفيكم أنى فكرت أن الشقة مسكونة وأنه ربما اختطفه جنى ورجعه مرة آخرى..أخذت أنظر إليه بدهشة وكأنى أسأله أين كنت طوال هذا الوقت.. ثم تذكرت أنى بالأمس أفرغت الحقيبة التى كانت معى يوم تبديل ثيابى على المكتب ولابد أن سقط منها واختفى وراء اللاب توب ولم يظهر إلا عندما وضعت اللاب توب فى الحقيبة استعدادا للخروج. ولكنى أفرغت هذه الحقيبة مرات عديدة من قبل، بل أنى بحثت عنه فيها..فكيف لم يظهر إلا الآن؟

نعم لقد كان معى كل هذا..كان معى وأنا أبحث عن شبيه له ..كا معى وأنا اردد مقولة “رضوى عاشور” ..لو تكلم لقال لى يا هبلة أبحثى بجدية أكثر عنى، لماذا استسلمت بهذه السرعة لفكرة أنك فقديتنى؟ كيف تتعلقين بشىء وتسمحين أن يختفى هكذا بدون أن تستنفذى كل محاولات ايجاده؟ لن يفهم أنى فقدت أشياء أغلى منه بكثير لذا لم يبدو لى أن خاتما أو أى شىء آخر يستحق أن أبذل من أجله جهدا.. مرارة ضياع الحلم تجعل أى مرارة آخرى هينة وتكون حياتك عبارة عن سلسلة من “فليكن”.. أو ضاع الحلم حقا؟ أم أنى لم أبحث عنه بجدية كافية وسلمت بضياعه؟ وهل من الممكن أن يظهر فجأة مرة آخرى كما ظهر الخاتم؟ وهل سأكون هذه المرة جديرة بالمحافظة عليه أم سيضيع ولكن هذه المرة للأبد؟

مضت ساعات قليلة منذ أن وجدت الخاتم وأنا أتحسس أصبعى بحركة لا إرادية بين الحين والآخر لاطمئن على وجوده..ثم ابتسم من المفارقة أنه أصلا لم يضع بل كان فى حقيبتى كل هذا الوقت ولكنى لم أشعر أنه عاد إلا عندما صار فى إصبعى مرة آخرى.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s