أمي الحبيبة

صرت تتساءلين كثيرا مؤخرا عما أفديتنا به وتعتقدين أنك بلا أي جدوى وعندما أرد عليكي بأنه يكفي حبك لنا تتعاملين مع عبارتي باستهزاء وگأنك تقولين ما فائدة الحب؟

دعيني أشرح لكي يا أمي أن أي انسان حرم من حب أمه وحنانها هو بحق في ابتلاء عظيم لا يفيديه أن تعطيه أمه ملايين الجنيهات ولا أن تكون من عائلة عريقة تورثه نسبا ولا أن تكون بارعة الجمال فيرث من جيناتها عيونا خضراء وشعر أصفر ولا أي شىء يعادل حبها حتى ولو كانت امرأة ريفية أمية لا تعرف شيئا في الحياة..حبها لأولادها هو من يصنع منهم رجالا يتحملون الحياة بمشاقها.. حبها قبل أي شىء..

لذا فعندما أخبرك يكفي حبك لنا فأني أعني ما أقوله وأقصد أن هذا الحب جعلك لا تدخرين جهدا في اسعادنا..ربما لا يكون هو أفضل شىء في المطلق ولكنه أفضل ما كنتي تعرفينه وأقصى ما كان يمكنك بذله.. وهذا هو تعريف الحب غير المشروط ببساطة الذي يحتاجه كل انسان في طفولته.

اسمعني يا أمي فأني أعرف أن حلم حياتك أن يجمع الله شتات نفسك فتجلسين وحولك أبنائك وقد تزوجوا بمن يحبهم ويحبونه وعملوا في الوظائف التي يرغبونها وأنجبوا أطفال أصحاء..يبتسمون ويضحكون حولك بلا أدنى منغصات …تعتقدين أن هذا هو منتهى السعادة لنا ولك وتزعجين من كل أمر يبعدك عن هذا الحلم.

والحق يا أمي أن هذه الصورة الرائعة ليست هى السعادة كما تخبرك مديتنا الصغيرة…السعادة لها صنوف وألوان شتى أهمها أن يحقق الانسان مراد الله منه في الحياة..أن يكون نفسه قبل أي شىء..أن يجتاز بحر الحياة بكل أمواجه وصعابه ليعبر إلي شاطىء الجنة حيث يلتقي بالناجيين معه من اهله وأصحابه..لا أنكر عليك حلمك ولكن ما أجمل أن يتحقق في الجنة ..ما أروع أن نلتقي هناك جميعا لنجلس في ظلال الفردوس ننعم بها وبرضا الله علينا إلي أبد الأبدين.. ربما اختار الله أن يحرمنا من بعض نعمه في الدنيا..أن يختبرنا بالضراء قبل السراء.. أن يضعنا في امتحان تلو امتحان..وكل هذا لنتعلم السباحة في هذه البحر الهائج ونحقق حلمنا هناك- في الجنة.

أمي الحبيبة أني أشفق عليكي كثيرا من كل مكروه يلم بي أو بأحد من أخوتي..أفكر بيكي وبألمك قبل أن أقدم على أي مخاطرة ولو كانت عبور طريق مزدحم.. أزعج لكي قبل أن أزعج لنفسي ولأخوتي وكأني أعيش بمقولة الشاعر “وأعشق. عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي”. ولكن هوني عليك قليلا فحتى المحن والمصائب التي تصيبنا من قدر الله ليعلمنا ليفهمنا ليطهرنا..ونحن لا نملك أمامها سوى الصبر والدعاء والرضا.. أرجوكي يا أمي لم نعد رضعا تستطعين حمايتنا طوال الوقت.. تأملي ما قاله سيدنا يعقوب لبنيه وهو النبي الكريم “وما أغني عنكم من الله من شىء”. فالأمر كله لله وهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

لا تحملي نفسك فوق طاقتك ولتعرفي أن حبك لنا من أكبر نعم المولى علينا وأنه بدونه لم نكن لنقدر على هذه الحياة. ولتدركي أنه بداخل كل مننا فزع من يوم قد يأتي فيكمل أحدانا الحياة بدون الاخر ولكننا نعرف أن هذه الدنيا طال بقاؤنا فيها أو قصر ليست النهاية فلنعمل حتى يجمعنا الله برحمته فى نعيمه الأبدي.

أحبك يا أمي وأسأل الله أن يجازيكي كل خير على حبك لنا.

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s