للأسف معظم من ينتقدون التفكير الثنائي يا أبيض يا أسود يقعون هم أنفسهم في نفس الخطأ ولا أبرأ نفسي ولذا أحاول هنا أن أنبش قليلا في وفيك بكلام غالبا لن يعجب أحدا.

ألش خانة تكلم عن عقلية مؤيدين الانقلاب وكيف أنهم يضعون كل الاسلاميين في دائرة سوداء كبيرة رغم أن هناك حركات من الاسلاميين تكفر أو تعارض بعضها البعض ..
ولو نظرنا للجهة المقابلة سنجد أن كثير من معارضي الانقلاب عملوا كذلك دائرة سوداء كبيرة ووضعوا فيها كل من دعا ل٣٠ يونيو وكل من صمت على مذابح رابعة بل كل من انتقد مرسي.
ولذا تجد بعض الطرائف
مثلا هناك من مؤيدي الانقلاب من لا يثق تماما في أبو الفتوح ويراه عميل وخائن ولعبة أخوانية وكذلك معظم الأخوان كذلك يرونه خائن لأنه دعا ل٣٠ يونيو ولم يقف معهم في رابعة ثم ختمها بقول لا للدستور بدلا من مقاطعته والمؤيدون يرون مهاجمة المعارضين لأبو الفتوح جزء من اللعبة والمعارضون يرونها كذلك أيضا.

أتذكر عندما استقال سيف عبد الفتاح كان كثير من الأخوان يرونه خائنا ويهرب من السفينة وبعد الانقلاب عندما أخذ صفهم أصبح قريبا مرة اخرى في حين أن مؤيدي الانقلاب يضعونه في الدائرة السوداء لأنه عمل مع مرسي حتى وان كان استقال ويرون أن هذه كانت لعبة.

أما ٦ أبريل ووائل غنيم ومصطفى النجار وباسم يوسف ومن قبلهم البرادعي فحدث ولا حرج. هم في الدائرة السوداء عند معظم معارضي الانقلاب على الرغم من تباين موافقهم وهم كذلك في الدائرة السوداء عند معظم المؤيدين بصفتهم عملاء أما لأمريكا أو الأخوان أو هما معا. أما هم أنفسهم فعند بعضهم في الدائرة البيضاء طبعا ولا يمكن لأحدهم أن ينتقد الاخر علانية حتى لو كان مختلف معه ويراه أخطأ ولكن طبعا خطأه مبرر ويتم الدفاع عنه وغالبا أصحاب الدائرة السوداء هم من دفعوه لهذا الخطأ.

في الجهة المقابلة نجد مثلا عاصم عبد الماجد والزمر هم ومن يقفون معه في نفس الصف في الدائرة السوداء عند معظم غير الاسلاميين بصفتهم اراهبيين سابقيين في حين أن كثير من الاسلاميين الذين تحدثت معهم شخصيا يرونهم اجتهدوا وأخطأوا وخلاص تم عقابهم على جريمتم وانتهى الأمر بل أن البعض يرتفع بهم هم وبن لادن الي مصاف المجاهدين الأبطال وكل أخطائهم مهما كانت أخطاء اجتهاد.

اتناقش مع بعض من توجع بالأحداث فيقول لي ماذا تتوقعين من شخص قتلوا أهله وانتهكوا عرض نساؤه ورقصوا على دمه سوى أن يحمل السلاح على أصحاب الدائرة السوداء هم وكل من يقف معه أو حتى يصمت على اذاهم له..
اتعرف أي احداث تلك وما هو الفريق الذي اتحدث عنه لا يهم. المهم أنك لو كنت في نفس الفريق كنت ستقول هذا وستراه مبررا للغاية..

نحن نتعاطف كثيرا ما من نعرفهم ونفهم ما يمرون به وكيف كونوا قناعتهم..نتلمس لهم العذر لأننا نحبهم. ستعذر صديقك الذي مات والده بالأمس لو رأيته يشتم شخص كسر عليه بالسيارة وحتى لو شتمك أنت شخصيا ستسامحه ولكن لو رأيت رجلا اخر لا تعرفه في نفس الموقف ستنظر اليه باحتقار ولو أخبروك أن والده توفى ربما تتعاطف معه قليلا ولكنك ستقول ولكن لم يكن ينبغى له أن يفعل ذلك .. تخيل لو كان هذا الشخص أستاذ جامعي أو شخص أيقونة رسمت له صورة مثالية في خيالك أكيد لن تتقبل ضعفه ولن تبرره شتيمته لك الا لو كنت تعرفه عن قرب ورأيته مثلا يبكي طوال الليل موت والده فشكل تعاطفك الانساني معه مبررا لأي شىء يفعله أو يقوله.

لا يوجد حياد في هذا العالم صدقني.. اذا وقع خلاف بين صديقك وزوجته وصارحك صديقك بكل التفاصيل فسترى المشكلة بعينه وتعذره حتى لو خانها وضربها ولو كانت هي أختك فسترى المشكلة بعينها حتى لو كانت فعلت وفعلت.. الشخص الذي يتعذب حقا هو صديق الاثنين الذي يفهم نفسية كل منهما ويفهم كيف تشكلت أفكار كل منهما منذ طفولتهما ليصلا لهذه النقطة.
هو الذى لا يرى الناس شياطين أو ملائكة..خونة أو وطنيين. اسلاميبن أو كفار.. جنة أو نار.
يفهم أن هناك قدر كبير من سوء الفهم والذي شكلته الكثير من العوامل ولا يدرى ماذا يفعل ليرى الجميع ما يراه. ليس من الضرورى أن نصبح شيئا واحدا لنعيش معا.. ليس من الضرورى أن نتفق على كل شىء..
المهم أن نجد شيئا واحدا نتفق حوله والأشياء كثيرة
ولكننا اختارنا ألا نتفق. حتى موضوع بسيط مثل تهنئة اخرين بعيدهم يصبح موضوع عقيدة أساسي ربما يخرج من الملة من يفعله أو يصبح موضوع وطني أصيل يكون خائنا للوطن من لم يفعله. وكل سنة لا تتوقف عادة الهري حول هذا الموضوع قبله وبعده وتصنيف الناس أبيض وأسود على أساسه.

تتساءل ماذا عن القضايا التي من الممكن أن نتفق عليها بصرف النظر عن توجهاتنا الدينية والسياسية: محو الأمية مثلا.. أنت بتهرج ولا ايه. ازاي نسيب الأخوان ولا السلفيين ولا العلمانيين ولا المسيحيين يساعدوا الناس والناس تشعر تجاههم بالامتتنان فتنقلهم من الدائرة السوداء للبيضاء وجايز كمان تنتخبهم. لا طبعا يتحرق الناس وتتحرق أي حاجة كويسة ممكن تجمعهم وتخليهم مش أبيض وأسود.

وهكذا اخترنا يا صديقي أن نحول كل شىء لمعركة بقاء وأن نضع كل من لا يماثلنا أو لا يعجبنا بمختلف درجاتهم في دائرة سوداء نهاجمها طوال الوقت ونصب عليها جام غضبنا .. وتصبح قضية حياتنا هى الانتصار على هولاء ..فليتنا نستيقظ من النوم فلا نجدهم ونجد فقط اصحاب الدائرة البيضاء الذين نصبر عليهم و نبرر لهم كل شىء وأي شىء..

دمتم على وطن ممزق مستقطب.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s