لا أتذكر ما هى أول أغنية لحمزة نمرة استمعت إليها ولكنى أتذكر جيدًا أغنية “يا طير” التى لم تنل حظا من الشهرة ولكنها مست وجدانى خاصة ارتباط الأغنية بفكرة المعلم المحبوس كالطير فى القفص ويغرس بذور الأفكار فى الطيور الصغيرة حتى تحرر… قرأت أنها مستوحاة من قصة أستاذ صلاح الدين الأيوبى الذى علمه ومات قبل تحرير القدس ولكن صلاح الدين أخذ منبر الأستاذ معه اعترافا بفضله عليه..
أتذكر بعض ممن أعرفهم وأعينهم تبرق عند سماع الأغنية ..أتذكر ونحن نسمعها فى السيارة مرارا وتكرارا… كان بداخلنا إحساس أننا نريد أن نفعل الكثير والكثير لمصر ولكننا مسجونون فى بلاد القهر – عزبة مبارك. ولكن الأغنية كانت تقول ازرع الفكرة، ربى جيل جديد قادر على هزيمة اليأس..جيل ربما يكون هو من يحرر فلسطين.
http://bit.ly/1hgRnvk

وبعد ثورة الياسمين فى تونس وأثناء حشد صفحات الفيس بوك لثورة مماثلة يوم 25 يناير فى مصر وسخرية معظم الناس من الثورة التى بميعاد واقتناعهم أنها ستكون مظاهرات محدودة مثل كل مرة تنتهى ببعض الضرب والاعتقالات، ظهر حمزة نمرة بأغنية “هيلا هيلا يا مطر” لم أصدق عينى وأنا أقرأ ما كتبه على تتر الأغنية كان تحريضا مباشرا على الثورة..كيف يغامر مطرب فى بداية حياته بهذا الموقف الواضح؟ أتذكر ما كتبه فقد حفظته عن ظهر قلب:
“إنى أؤمن بحقى فى الحياة وحق بلادى فى الحرية..عمر المختار”
“الشعوب وحدها هى التى تحرر نفسها..جيفارا”
“لا وجود لوطن حر إلا بمواطنين أحرار.. سعد زغلول”
“نريد الحرية والعدل والمساواة بأى طريقة كانت..مالكوم أكس”
“لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا فوالله الذى لا إله إلا أنت لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم.. أحمد عرابى”
http://bit.ly/1hVKVYf

وكانت “احلم معايا ببكرة جاى ولو مجاش أحنا نجيبه بنفسنا.. لو حتى تهنا يا صديق يرجع لقاءنا يضمنا على حلمنا”…وهى الأغنية التى كانت تتردد داخلى كلما قابلت أصدقائى وتحدثنا عن أحلامنا ومستقبلنا ولم يكن غريبا أنه بحسب كتاب “وائل غنيم” عن الثورة أنه كان يغنى هذه الأغنية مع أصدقائه يوم 25 يناير.
http://bit.ly/19BUJqC
بل أنه من أوائل الصور التى تناقلت يوم 25 يناير كانت حمزة نمرة مع زوجته حاملا طفله على كتفيه ..كان هناك منذ البداية كما هو متوقع.

وبعد تنحى مبارك، سادنا شعور بالفخر وأن جيلنا حطم المستحيل ..كانت وكالات الأنباء العالمية تشير للشعب المصرى العظيم الذى أسقط الفرعون .
فى هذا الوقت عانقت أحلامنا السماء ستكون مصر دولة متقدمة خلال 20 سنة، ألغى الكثيرون طلبات الهجرة التى كانوا قد قدموها أيام مبارك وعاد الكثير من المهاجرين لمصر…الآن وقت بناء الدولة بعد سقوط مبارك..لقد عادت مصر للمصريين وكان حمزة يغنى “ارفع رأسك فوق أنت مصرى… أنت المصرى بتاع زمان…أنت وقفت جنب جارك فى الميدان”
http://bit.ly/1cnk69S

ولكن بدأنا نلاحظ أن هناك شىء..المجلس العسكرى الذى تخيلنا أنه حمى الثورة كان يتصرف بغرابة ..فى البداية قالوا أنها أخطاء غير مقصودة ورصيدنا لديكم يسمح ولكن زادت الأخطاء وتأخرت العدالة بشكل مريب وغنى حمزة
“لسه العدل غياب طيب ايه الأسباب.. لو بتقولوا أن أنتم معنا ليه بتصفوا حساب”
http://bit.ly/1cJg8wM

وعندما وقعت أحداث محمد محمود فى نوفمبر 2011 لم يغنى حمزة نمرة بل كتب مقالة كانت تعبر عن الاكتئاب الشديد الذى كنا نشعر به وقتها والذى لم نكن نعرف فيه من العدو ممن الصديق ومما قاله فى مقاله

“أما كآبتنا الشتوية فهى كآبة ألفناها وتعايشنا معها كجزء من خلقة ربنا.. وفى هذه الأيام بالذات، تزامن وجودها مع كآبة شتاء آخر.. شتاء فكرى مظلم.. يزيد فيه الخوف والجوع والظلام والصراع من أجل البقاء، ملىء بالرياح والأعاصير والأمواج المتقلبة، وفوق ذلك كله، يسيطر الاستقطاب البشع على الأنفس والعقول.. الحقيقة، لقد أصبحنا نعيش فى فيلم خيال علمى فريد من نوعه، ربما ينتمى إلى سلسة أفلام «سيد الخواتم»، حيث تتحالف قوى الشر السفلى للسيطرة على الدنيا، بينما تتكاتف قوى الخير فيما بينها لدحض قوى الشر.. (وأقطع دراعى من هنا إن ما كان كل واحد بيقرا المقال دلوقتى بيقول أيوه فعلاً أنا من قوى الخير والتانيين همّ قوى الشر).

عموماً بالنسبة لى، وبمنتهى الصراحة، فإن مجموعة قوى الخير، مع مجموعة قوى الشر، مع جو الشتاء الباهت، كلهم كده بالصلاة ع النبى انضربوا فى خلاط واحد، فتحولوا إلى والعياذ بالله مزيج مخاطى مخيف داخل عقلى، عجز أطباء النفس عن إزالته، وفشل باشمهندسو السباكة فى تسليكه.. أتفهم الآن لماذا تنتشر فى بلادنا كودية الزار والعلاج بزيت البردقوش. ”

http://bit.ly/1hVM4iv

لا أتذكر متى غنى “يا أسرائيل أنا مش حكومة ومش نظام ” ولكن أتذكر عمرو خالد وهو جالسًا أمامه فى حفل الجامعة الأمريكية وأتذكر تصفيقنا وهو يقول فى النهاية
“عارفه قبله ابقى مين ؟
ابقى كلمه كل عصر
اسمى ايه وبكل فخر
اسمى اعظم اسمى
اسمى …
اسمى مصر”
http://bit.ly/1cZoDWb

ثم توقف حمزة عن الغناء لقرابة عام ربما ﻷنه لم يجد ما يقوله فى وسط كل ما يحدث…كان يتحدث أحيانا على تويتر منتقدا الأوضاع ولكنه لم يكن يغنى وفجأة جاءت أغنية فى مطلع العام الجديد “أوه لا لاه”، الأغنية صورت بطريقة كرتونية مركب يحمل ربما بعض شباب الثورة يعوم فى بحار من الخراء ويغنون بطريقة كوميدية أنهم مكملين وأن لو حلمك تاه روح جيبه وفى الخليفة حرائق وشجار وشباب معلقون على المشانق وكلما جاءت كلمة أمل فى الأغنية رأينا نافورة خراء أو مومياء فرعونية تطلق على نفسها الرصاص أو ينفجر القطار الذى تركبه الفتيات.يا لها من تصوير لحلم جيل نزل من سابع سماء من الأحلام إلى سابع أرض من اليأس..وتنتهى الأغنية بغرق مركب الشباب فى الخراء ولكن قبل أن تغرق يعطى المطرب العود ﻷحد البلطجية والذى يكسره على دماغ شخص يرتدى بدلة ويمسك موبايل.. وتنتهى الأغنية بتراقص البلطجى بالمطواة على نغمة المهرجانات الشعبية المستفزة والتى كانت أحدى افرازات ما بعد الثورة ويعيد البلطجى ويزيد فى جملة أكثر استفزازا:
مصر يا هندسة…أديها شعوذة
http://bit.ly/Jv6SS9

فهل هذه نهاية كل شىء حلمنا به؟ هل هذا ثمن كل الدماء التى سالت؟ هل هذا ما تنتظره دموع الأطفال اليتامى والأمهات الثكالى الذين كان رجالهم الورد الذى فتح فى جنانين مصر فإذا بالجنانين تنقلب مراحيض؟ نتحول لبلد يسودها الخراب والدمار والعشوائية والبلطجة تعوم فى بلاعة كبيرة من الخراء ولا يوجد حتى مجرد أمل فى أى شىء. إذا أردت أن تنفذ منها فهنيئا لك وان أردت أن تظل بها حتى تغرق فى الخراء فأهلا بك..

لا استطيع أن ألوم حمزة نمرة على أغنيته بل على العكس أراها أغنية عبقرية تعكس مشاعر شريحة من هذا الجيل، الشريحة التى غنى لها حمزة “يا طير” و”احلم معايا” و”ارفع راسك فوق أنت مصرى”..الشباب المحب للعدل والحرية والذى انحاز لثورة حسب أنها ستخلص بلاده من الظلم فوجد نفسه غارقا فى البكابورت..فعلا يا حمزة هذا ما نشعر به وقد صورته بأفضل طريقة سريالية ممكنة. حسنا فليكن شعار هذا الثقب الأسود الذى سقطنا فيه:

مصر يا هندسة..أديها شعوذة.

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

3 responses »

  1. Islam كتب:

    فعلا هذا ما نشعر به 😦

  2. Mahmoud Fikri كتب:

    رائع التحليل ولكن” اوه لا لاه “تحتاج للوقوف كل ثانيه لاستيعاب المعني التي تحمله…..تلخيص حالنا ف اخر 30 سنه
    ….واكثر شئ لفت انتباهي -واحد صاحبي نبهني له- الظابط الذي ترك كل شئ ليشاهد الراقصه 😀
    وغرق الثلاثه الذين يحملون االامل بينما جلس الاخرون يبكوا وفي خلال ثانيه البلطجه احتلت المشهد ليتناسوا واقعهم

  3. ahmed كتب:

    انتهينا انتهينا عودنا من حيث اتينا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s