الكثير مننا عندما يتعرض لتجربة قاسية يفكر بتلقائية أن يتجنب مرار هذه التجربة بتجنب مسبباتها حتى لو كان أحد مسبباتها هذه شىء صحيح.. كمثال: أحيانا يختار شخص شريك حياة على تدين وخلق ثم تنتهى التجربة بالطلاق والألم فيفكر أن يرتبط بشخص غير متدين (على أساس والمتدنين عملوا لنا ايه؟).. أو أن يقوم مجموعة من الشعب بثورة على الظلم مثلا ثم تتم سرقة الثورة ويتدهور حال البلد فيبدأ كل واحد فى لوم نفسه ويقولك إياك حد يجيب سيرة الثورة تانى حتى لو وصل الظلم لأضعاف أضعاف ما ثار عليه من قبل..

فهل هذا التفكير صحيح؟

تعالوا نتأمل مشهد من السيرة النبوية متمثلا فى غزوة أحد، حيث استشار الرسول (ص) أصحابه فى الخروج للقاء قريش أو البقاء فى المدينة، فرأى الأغلب (معظمهم شباب) الخروج فى حين أن رأيه صلى الله عليه وسلم كان التحصن فى المدينة ولكنه نزل على أمر الشورى وذهب ليستعد للقتال ويضع درعه فى منزل السيدة عائشة وهو المشهد الذى عبرت عنه الآية الكريمة
“وإذ غدوت من أهلك تبوأ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم”
ولكن الصحابة رأوا أنهم بذلك يكرهون الرسول (ص) على شىء لا يريده فعرضوا عليه التراجع ولكنه رفض وقرر أن يأخذ بنتيجة الشورى كما هى (تخيل الأمر لو صارت سنة كلما أخذنا قرار تراجعنا فيه بعد قليل).
ثم مضت أحداث الغزوة كما نعرف من ترك الرماة لأمكانهم رغبة فى الغنائم ثم الهزيمة ومقتل 70 من الصحابة منهم سيدنا حمزة..
وبدأ المنافقون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا وكان منهم عبد الله بى أبى الذى كان رأيه كذلك التحصن فى المدينة عندما أخذ الرسول(ص) الشورى.
لحظة!
تخيل معى الموقف: الرسول (ص) أخذ الشورى وكان رأيه ورأى البعض -منهم هذا المنافق- البقاء فى المدينة ولكنه استمع لرأى الأغلبية وخرج ثم كانت الهزيمة..تخيل ما هو الوضع إذن؟
“قلت لكم من الأول”.. “المفروض ألا نستشير العيال دول تانى” “أصلا الشورى حرام” “بعد كده رأى الكبار بس اللى يمشى”
الخ الخ الخ

ولكن الآيات الكريمة التى نزلت بعد غزوة أحد قالت أشياء هامة منها:
“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ”

بمعنى أن هذه التجربة القاسية لا يجب أن تجعل المسلمون يتراجعون عن مبدأ قرآنى هام وهو مبدأ الشورى.. ولا يجب الربط بين الشورى والهزيمة..بل الهزيمة يتم ربطها بالعوامل الآخرى مثل عدم طاعة أمر الرسول وترك الرماة للجبل.. بمعنى آخر:
هناك تجربة قاسية كطلاق أو رفد من العمل أو سرقة ثورة أو هزيمة حربية.
أكيد..
هذه التجربة لها فوائد كثيرة على الرغم من قسوتها..
طبعا ربما أهمها بالنسبة لغزوة أحد وأى هزيمة آخرى هو تمحيص المؤمنين والمنافقين..
طيب هل نترك عقلنا الباطن ليلعب بنا ويجعلنا نبتعد تلقائيا عن أى شىء كان مسببا لهذه التجربة حتى لو كان جيدا حتى ربما يصل أحدهم للالحاد أو الانتحار؟
لا.
لابد من الفصل تماما بين بين أمرين:
1- الأشياء التى اجتهدت فيها على قدر علمى تبعا للكتاب والسنة وللمعلومات المتوافرة وقتها وكانت أشياء صحيحة مثل الشورى فى مثال غزوة أحد واختيار شخص متدين فى مثال الزواج.
2- – المعاصى والأشياء الخاطئة التى فعلها الإنسان والتى كانت أحد أسباب التجربة القاسية واجتهد فيما بعد ألا أكررها مرة آخرى.

وفى النهاية لابد من التوازن بين التسليم بقضاء الله وهو ما عبرت عنه الآية:”
“وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله”
وبين لوم النفس على الأخطاء والتوبة إلى الله منها والعزم على عدم تكرارها حتى ننال عفو الله وهو ما عبرت عنه الآية:
“إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ”
تخيل معى لو لم تكن هذه الآية قد نزلت، ربما لظل بقية الصحابة يلومون هولاء الرماة طوال العمر على أنهم هم السبب فى الهزيمة.. خلاص انتهينا..اخطأوا التقدير واستمعوا للاشاعات التى كانت تقول أن الرسول(ص) قد يخبى بعض الغنائم أو أنه خبى بعضها فى بدر..كان تقدير خطأ وعصيان لأمر الرسول (ص) وتسبب فى مأساة ولكن …”لقد عفا الله عنهم”
وكأنه لن يستطيع المجتمع المسلم أن يقوم لو ظلننا نلوم فى بعضنا على أخطائنا للأبد وزيادة عن ذلك ندخل فى نوايا بعض: هم أكيد عملوا كده ﻷنهم يحبون الغنائم هم منافقين أصلا..
حتى هذه قال فيها القرآن عنهم
“منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة”
بدون تحديد من هولاء ومن هولاء..وفى النهاية لقد عفا الله عن الجميع.

الخلاصة لابد أن تتطوى صفحة التجربة القاسية والألم النفسى المرتبط بها، ويدرس كل إنسان بعقلانية الدروس المستفادة من التجربة فلا يفرط ويستمر كما هو بدون أن يتعلم أى شىء منها وكذلك لا يتطرف فيقوم بتغيير نفسه وصفاته تماما حتى الجيد منها ظنا أنه هكذا يتجنب تكرار الهزيمة

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s