صراع الهوية بين الغرب والشرق

دينا سعيد
—————

فى شهر أغسطس الماضى حضرت عرضا تعبيرًا Performing Art فى كلية الفنون بجامعة كالجرى التى أدرس

 فيها علوم الحاسب..العرض كان من تقديم الطالبة المصرية لميس عادل والطالبة الإيرانية سيتارا مينفار.

بدأ العرض بسيتارا وهى تجلس على مقعد مرتدية كامل ملابسها الايرانية (ايشارب وشالا ايرانيا وحلقا وأسورة شرقيين وحذاء تراثى ايراني) وأمامها لميس تجلس فى زى غربى تماما مكون من حذاء بكعب عال وجاكيت جينز وقصة شعر غريبة.

ولمدة 15 دقيقة تكرر هذا المشهد لميس تقوم لتخلع عن سيتارا زيها الايرانى الخارجى (الحذاء والاكسورارات والايشارب والشال) وتلبسها مثلها جاكيت جينز وحذاء بكعب عال وساعة غربية، فتنظر إليها سيتارا ثم تقوم بخلع كل ما ألبستها إلياه لميس وتعيد ارتداء ملابسها الايرانية مرة آخرىكاملة.

فى أول مرة كانت لميس تستعمل الرفق مع سيتارا بل وترتب وتطوى ملابسها الايرانية التى تخلعلها عنها ولكن باستمرار مقاومة سيتارا تحول الأمر بينهما لشىء من العنف وأصبحت الملابس ترمى على الأرض ويتم خلعها وإعادة ارتدائها بحدة شديدة تتزايد مع تكرار المحاولة…
وانتهى الأمر فيما يبدو أنها نقطة إرهاق الاثنتين برمى الايشارب والجاكيت الجينز على الأرض فى حين احتفظت سيتارا ببقية ملابسها (الحذاء والاكسورار والشال) فى إشارة أنها فى النهاية لم تصبح كما أرادت لميس أن تكون تماما ولا هى ظلت محتفظة بكامل هيئتها السابقة.

والحق إن هذا العرض أثار داخلى نقاط عديدة لما له من دلالات ورموز مرتبطة بصراعنا الحالى على الهوية مع الغرب وعلى واقع الشرقيين المغتربين هناك ألخصها فى التالى:

1) فى صراع الهوية غالبا لا يتحول انسان بالكامل ليكون آخر فمثلا الكنديين والأمريكين التى تنحدر أصولهم إلى ال natives أو ما يعرف بالهنود الحمر ما زالوا محتفظين بجزء من هويتهم الأصلية رغم ابادة حضارتهم.
لذا فغالبا ما ينتهى الأمر بأن يصل الشخص إلى نقطة وسط ويبدو أنه رقص على السلم فما استطاع أن يكون مثلهم تماما ولا أن يظل كما كان.

2) عادة ما يكون هناك مشكلة فى ترتيب الأولويات فى هذا الصراع..فمثلا لو أن سيتارا كانت قد حددت من البداية أنها لن تتنازل عن ايشاربها فربما كانت ركزت أنها تحتفظ به هو فقط وتتنازل عن الأشياء الآخرى ولكنها كانت كل مرة تعيد ارتداء ملابسها بالكامل مما جعل جهودها تتشت.

3) من جهة آخرى ليس شرطا أن يكون صراع الهوية هذا مضرا تماما ويجب مقاومة كل ما فيه بمعنى أن سيتارا كان يمكنها أن تفكر أن الساعة الغربية مفيدة وبذلك تأخذها ولا تقوم بخلعها لتبدلها بالأسورة الايرانية.
وهذا الخليط فى تضارب الأولويات هو ما نراه من الكثير من الشرقيين فى الغرب فمثلا نرى كثيرا منهم يحافظون بشدة على عاداتهم الغذائية وطرق طهى الطعام الخاطئة ولا يأخذون من الغرب طريقة أكلهم الصحية فى حين أنهم من جانب آخر قد يتنازلون عن تعليم أولادهم اللغة العربية أو عن بعض القيم الصحية فى الشرق مثل الكرم.
فبالتالى يكون أمامنا كائن غريب أخذ من كل حضارة أسوأ ما فيها فنجد مثلا شرقيين ليبراليين متعصبين وهما مصطلحان لا يمكن أن يكونا فى انسان واحد..ولكنه أخذ من الشرق العصبية ومن الغرب الفكر الليبرالي فصار هكذا.

4) كانت سيتارا طوال العرض سلبية تماما بمعنى أنها تنظر للميس بشىء من الغضب والحزن وهى تنزع عنها ملابسها وتلبسها الملابس الغربية ثم تبدأ فى المقاومة لتخلع الملابس الجديدة وتلبس القديمة ولكنها لم تكن proactive لم تفكر أن تلبس لميس شيئا من ملابسها كما تفعل هى معها، لم تحاول أن تلبسها الايشارب أو الحذاء الايرانى المنقوش والذى هو أجمل بكثير من الحذاء الغربى ذى الكعب العال المؤلم للظهر.

5) وأخيرا وهى نقطة لا أدرى إذا كانت مقصودة من لميس وسيتارا أم لا وهى أن الايشارب تحديدا هو الذى تنازلت عنه سيتارا وعندها انتهى الصراع..فى ظنى أن الايشارب يرمز للدين أو الاسلام بوجه خاص، فهل الغرب الذى تمثله لميس يقود صراع الهوية هذا لينزع عن الشرق تمسكه بالاسلام وعندما يحدث هذا الأمر يكون لا معنى للصراع ويمكن للشرق وقتها أن يحتقظ بأمور شكلية كما يشاء كالحلق والأسورة والحذاء المنقوش

وهى أشياء ربما ترمز للمتاحف الاسلامية وعادات الاحتفال بالأعياد والأكل

 

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. ahmed كتب:

    والله يا دكتورة انا اتفق معك فى النقطة الاخيرة خاصة عندما نجد ان كيبك تناقش موضوع عدم ارتداء اى شى يدل على دينك اثناء فترة العمل فى اماكن معينة
    الموضوع فى شى كبير من التعصب و العنصرية ، كيف ان بلد تدعو للحرية و تعدد الثقافات وفى نفس الوقت تقيد حرية الفرد فى ارتداء شى يمثل دينه التى بالنسبة له عقيدة يتمسك بها.
    يريدون حذف اى رمز دينى للشخص لانها دولة عالمانية مع ان علم كيبك نفسه يحتوى على رمز دينى ( une croix blanche) علامة صليب ابيض.
    اللهم انا نسالك الثبات فى الامر و القدرة على الحفاظ على دينك والله الموفق نعم المولى ونعم النصير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s