بصرف النظر عن اتفاقى أو اختلافى الشخصى مع العلمانية ولكنى كلما قرأت مقالة لأحد العلمانيين المصريين أشعر أننى أمام أكثر من معضلة:

1) أنهم يريدون تطبيق ما فى الغرب وتحديدًا أمريكا بطريقة النسخ واللصق بدون أى مراعاة لاختلاف طبيعة المجتمعين وثقافتهما…فمثلا أمريكا وكندا مجتمعات قائمة على الهجرة ولذلك يجب عليها استيعاب كل الأيدلوجيات والأديان والثقافات وإلا انهار المجتمع..وهذا بمفرده دافع قوى جدًا لخلق مساحات كبيرة من قبول الآخر مهما كان يبدو شاذًا بالنسبة للأغلبية ..فى حين أن مجتمعنا المصرى طارد لسكانه ويوجد بالفعل ما يقرب من 10 مليون مصرى مشتيين فى أرض الله ليس هربا من التعصب الدينى ولا العنصرى ولكن أساسا للبحث عن حياة كريمة لهم ولأبنائهم بكل ما تحمله الكلمة من معانى..
وبالتالى لا يشكل قبول الآخر دافعا قويا للمصريين ولذلك نجد على ألسنة الكثيرين عندنا جملة “اللى مش عاجبه يهاجر ويسيب البلد”..لأننا أصلا مش طايقين بعض وكل واحد يشعر أن الآخر عالة عليه والأفضلاختفائه من الوجود..وهذا بالطبع لا اتفق معه..ولكنى أقول فقط كيف أن المجتمع المصرى مختلف عن الأمريكى والكندى فى هذه النقطة.

2) أن العلمانيين المصريين يريدون أن يبدأوا من حيث انتهى الآخرون بمعنى أنهم لا يريدون فقط النسخ واللصق من أمريكا أو الغرب منذ 70 أو 50 سنة بل يريدون النسخ واللصق من الوضع الحالى وهوالمستحيل بعينه لأنه هناك سنن تدرج ثابتة وتحتاج الكثير من العمل على الأرض لإدراجها..فالغرب لم يعترف بحق غير المسيحيين فى العبادة بين يوم وليلة ولم يسمح بزواج المثليين بين يوم وليلة..هناك أناس هناك حاربت من أجل إدراج هذه الحقوق..

ولكنى مثلا أراهم يتحدثون عندنا عن حقوق المصريين البوذيين ثم لا أرى أى شخص أو مجموعة تعلن أنهم مصريين بوذيين وينظمون مظاهرات ومسيرات وفعاليات ليتم اقرار حقوقهم.. أى أنى أرى كتاب يدافعون عن حقوق أناس لا أعرف إذا كانوا موجودين بالفعل أم فى وحى خيال الكاتب. ربما يكون المبدأ قد يكون صحيحا من وجهة نظرك ولكن هذا لا يعنى أنك تقيم حربا شعواء من أجل اقرار مبدأ لا يوجد لهأنصار ظاهرون.

3) يبدو لى أن هناك مشكلة أساسية فى ترتيب الأولوليات..فمثلا يحدثون عن حقوق المتدنيين بأديان غير الاسلام والمسيحية فى نفس الوقت الذى يُمنع فيه المسيحيون من تولى بعض المناصب القيادية ويُمنع فيه المسلمون الذى لهم توجهات سياسية معينة من دخول الكليات العسكرية ومن ممارسة الكثير من حقوقهم السياسية (لن أدخل الآن فى الحديث عن المذابح والمعتقلات).
وبعيدًا عن قصة الأديان والمذاهب، فسنجد ان العنصرية فى مجتمعنا المصرى متفشية بشكل طبقى ليس له مثيل فى أمريكا وكندا..وليس الأمر فقط فى احتقار الطبقات الغنية للافقر بل فى أنها تفلت من  العقاب تحت شعار “أنت مش عارف أنا ابن مين؟”
فهلا حدثتنى عزيزى الليبرالى قليلا عن دولة العدل والمساواة التى لا يوجد فيها معاملة خاصة للأغنياء ناهيك عن المزايا التى يتمتع بها الضباط وأبنائهم وأخواتهم؟
كذلك هناك حقوق لفئات من الشعب لا يتحدث فيها معظم الليبراليين مثل حقوق المعاقيين وهم يقتربون فى مصر من ال12 مليونًا.. إذا كنا سننظر للغرب وتحديدا كندا سنجد أن القانون الفيدرالى يفرض على أى منشأة عامة أن يكون فيها حمام واسع مجهز يمكن لشخص على كرسى متحرك استعماله..كذلك لابد فى كندا أن تُزود كل المصاعد الكهربية والأتوبيسات العامة بصوت منبه للتيسر على المكفوفين..ناهيك عن أن كل الأرصفة مهيأة لمن يتحرك على كرسى متحرك أو يدفع عربة وكذلك الأتوبيسات العامة جميعها يمكن أن ينخفض السائق بها ليصعد الكرسى المتحرك أو العربة إليها وهناك أماكن فيها مهيأة لهم.
فلماذا لا ننظر إلى الغرب فى هذا الأمر وننادى به كما ننظر لحقوق الأديان والمختلفين جنسيًا هناك؟ أليس هولاء المعاقين يتحركون بيننا ونراهم رأى العين وهناك احصائيات رسمية بأعداهم؟
بالطبع لن يمكننا أن نكون مثل كندا فى الوقت القريب فيما يتعلق بالمعاقيين ولكن يمكننا أن نفرض هذا بالدستور على الأقل فى المنشآت والمدن الجديدة.
أليس البحث عن حقوق هولاء المعاقيين وتطبيقها فى الدستور والقانون أمر يتفق فيه معظم الناس بصرف النظر عن اتجاهتهم الدينية والسياسية؟
لماذا إذن يا سيدى الليبرالى لا تبدأ بهذه المعارك التى لا خلاف كبير عليها وتقوم بعمل انجاز حقيقى على الأرض وبين الناس ثم بعدما تكون لديك الأرضية اللازمة تحدثنا عن حقوق البوذيين والهندوس والسيخ والعرى والدعارة وغيرها من الأشياء التى قد يختلف معك الكثيرون حولها؟

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

One response »

  1. ahmed قال:

    الله ينور يا دكتورة و كل عام وانتم بخير

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s