وقى لحظة مليئة بالتوتر قررت الانفصال عن أخبار مصر وما يحدث بين المؤيديين والمعارضين..قررت الخلوة على الأقل حتى آخر رمضان…إنى فى كندا على بعد عشرات الآلاف من الأميال…فلأحمد الله إنى بعيدة عن الأحداث وأنجو بعقلى ونفسي ولو قليلا

أحاول أن استعيد نفسي قبل أن أغرق فى براثن الاكتئاب ..أحاول أن أركز فى دراستى قبل أن تضيع مني..يكفنى ما ضيعته من وقت طيلة عامين ونصف ..أحاول أن أنقذ رمضان قبل أن يضيع هو الآخر

إن الوحدة مع الغربة فيهما ما يكفي من الآلآم حتى يضيف لهما الإنسان توتر وجزع الأخبار القادمة من مصر..أن يضيف إليهما حيرة أى الفريقيين أحق بالنصرة..أن يضيف إليها القلق على كل ما يعرفه ومن يعرفه هناك…أن يضيف إليهما انهيار حلم كبير كالثورة ويراه أمام عينيه وهو ينطفأ يومًا بعد يوم..فلأتظاهر بالعمى إذن..لا أريد أن أعرف ما يحدث.. بضعة أشهر فقط أركز فيها على نفسي وحياتي وانفصل وجدنيًا عما يحدث فى هذا الوطن الذى كتب علينا الشقاء به حتى وإن بعدنا عنه.

لماذا لا أحيا مثل هولاء الناس الذين يهتمون لأنفسهم وحياتهم ولا يعبأون بما يجري بالعالم من حولهم؟ يعرفون أنهم لن يغيروا شيئا من المنظومة وربما لم يفكرون قط فى تغييرها أصلا..هم فقط مستسلمون مع التيار …أولئك الذين أسميناهم حزب الكنبة.

إذن فلنجرب الحياة العادية جدًا… العمل والصلاة  والقراءة ومشاهدة مسلسل كوميدى..أجلس على الأريكة فى نهاية اليوم أمسك بهاتفي المحمول وأقول لنفسي “لا” لن أدخل على الفيس بوك ..دعني ألقى نظرة سريعة على الأخبار فيطالعني وجه جدو حازم الببلاوى بشعره وحاجبه الأبيض… يمر شريط سريع بكل وجوه الشباب التى ماتت على مدار عامين ونصف… فى خبر آخر عن لجنة وضع الدستور التى لم ينتخبها أحد وهى تناشد الجميع أن يرسلوا إليها مقترحاتهم للدستور…تاني! هناك خبر فى الوفد أن مخازن رسالة بالمقطم يخزن بها الأخوان أسلحتهم…أدخل على جروب رسالة فأجد المستشار القانوني قد تكفل بالأمر وقام برفع دعوى على الجريدة…فليترك الرسلاوية أعمالهم وشغلهم ويتفرغون للرد على الإشاعات القذرة والكل يسأل لماذا هذه الحرب المستعرة؟! ومن الرابح مما يحدث؟

أغلق الأخبار وأعزم ألا أعود لها مرة آخرى…قلنا لابد أن ننفصل ..ولا مجال للانفصال بمطالعة الأخبار…ماذا أفعل؟ ألعب شطرنج على الموبايل وفى الخلفية أشغل بعض الأغاني على ساوند كلاود… يأتى صوت عبد الحليم

“فلا تخافى وأهدأى يا صغيرتى”

لا أعلم لماذا تذكرنى هذه الأغنية دومًا بمصر رغم أنه لا يوجد رابط واضح بينهما…اشعر فقط أنها خائفة قلقة من كل ما يحدث ..وربما كنت أنا الخائفة.

أخرج..أسير فى الطرقات فينهمر المطر والرعد والبرق…يجري الجميع وهم يلعنون هذا الصيف المجنون…وارتدى معطف المطر وأقف تحت أحدى محطات الأتوبيس أدعو الله..أحاول أن أطمئن نفسي..منذ الفيضان الذى حدث الشهر الماضي وأنا أشعر بالخوف كلما أمطرت…فى الدعاء لابد أن تأتي مصر…حتى إمام الجامع غير العربي فى صلاة الجمعة يدعو لمصر مع سوريا

كل شىء يذكرني بها حتى وإن بعدت عنها وعن أخبارها..يذكرني بأهلي بأصدقائي بأحلامي بثورة أجهضوها بمكرهم وأجهضنها بسذاجتنا…هل العزلة أفضل أم القرب؟ العقل يقول العزلة أفضل والقلب يأبى وبينهما بعضي يمزق بعضي.

أسمع على “أقرأ لي” مذكرات صائم لأحمد بهجت الفصل المسمى الأربعين دقيقة وفيه يحلل لماذا بعد عن الله وأين كانت نقطة التحول ويعتقد أنها كانت عندما قبض الأمن على إمام المسجد ﻷنه سعدي وتكلم فى الخطبة عن الحرية فوقف الناس يسألون من يخطب الجمعة بدلا منه فجبنت نفسه رغم استطاعته الخطابة وجبن كل الناس إلا أحد مخبري أمن الدولة الذى تقدم للخطابة فأخطأ فى اللغة وفى القرآن وفى الدين ولم يتكلم أحد من الناس ولم يعتب عليه.. يقول ما معناه من يومها وتكسر في شىء فى علاقتى مع الله فتعودت الجبن وتعودت المعصية.

انتهى أحد الأيام العادية جدًا بعيدًا عن مصر أو هكذا أظن

دينا سعيد

23-7-2013

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

3 responses »

  1. Mahmoud Fikri كتب:

    بعيدًا عن مصر؟ اذا كان المقال كله عن مصر واخر اخبارها ومقارنه سريعه بين جسدك المتواجد بكندا وعقلك ف مصر وذكريات تربطك بها واخيرا مقتطفات مما قرأت وبرضو عن حال اناس بمصر

    اومال لو قريب من مصر ؟

  2. Rasha El- Agamy كتب:

    Do u know Dina, I am feeling u r talking about me. I tried many times to live my life without thinking in the situation in Egypt, but unfortunately I failed.

  3. غير معروف كتب:

    أحسن برضو علشان الإكتئاب سيطر على 90% من الشعب ، انا بقالي اكتر من شهر محلقتش دقني وبقعد كتير في البيت مفيش نفس اروح أي حته ، أنا حاسس إني ميت بالحيا.!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s