عصفوران
دينا سعيد
————-

توقفت أمام أحد محال بيع الحيوانات ولأول مرة فى حياتها سألت عن سعر زوج عصافير الكناريا.بدا لها السعر مناسب مقابل أن يكون لديها فى شقتها شىء يدخل عليها البهجة كل يوم ويخرجها من تعاستها المستمرة. اصطحبت العصفورين فى قفصهما إلى شرفة منزلها ولشهور طويلة كانت تجلس هناك بجوارهما تقرأ وتشرب الشاى بالنعناع وتستمع إلى زقزقتهما المستمرة وتتأمل ألونهما الزاهية. وبمرور الوقت ارتبطت بهما عاطفيا لدرجة أنها كانت لا تنام قبل أن تلقى عليهما تحية المساء ولا تبدأ يومها قبل أن تطمئن عليهما وعلى أحوالهما. كانت أحيانًا ينشغل بالها عليهما وهى فى عملها وتود لو أن هناك اختراع يطمنها عليهما حتى اهدت أن تفتح كاميرا السكايب فى كمبيوتر منزلها قبل ان تخرج للعمل لتظل تنقل صورتهما لها طوال اليوم ..نعم أصبحت مجنونة بهما.

حتى كان ذلك اليوم الذى ذهبت فيه للعين السخنة واستيقظت مبكرًا لتشاهد شروق الشمس على مياه البحر الأحمر..كانت ممدة على الشازلوج الأبيض تتأمل صورة كونية تعجز الأقلام عن وصفها ولكن كل تركيزها كان على شىء واحد: هذه الطيور التى تنطلق إلى السماء مع شروق الشمس فى مجموعات..لم تجد أبدًا طائرا يطير بمفرده..أخذت تفكر فى كل مجموعة. هذان الطائران هل هما زوجين أم أب وابنه أم أخ وأخوه؟ وهولاء الثلاثة: هل هم أب وأم وابنتهما؟ أم ثلاثة أصدقاء؟ وهولاء العشرة: هل هم عائلة واحدة؟ أم جمعت بينهما الصدفة؟ ووفجأة انهمرت دموعها عندما اكتشفت كم أصبحت قاسية القلب لدرجة أنها حبست طائرين فى منزلها لشهور من أجل متعتها الشخصية. كيف هان عليها أن تراهما سجينين كل يوم بدون أن يتحرك قلبها لهما؟ ماذا داهها وهى التى كانت تعشق رؤية الطيور محلقة فى السماء وكانت الرسمة المفضلة لديها فى المدرسة سماء وطيور منطلقة فيها. هل وصلت للدرجة أن تشترى سعادتها بتعاسة غيرها؟

لم يكن قرار تحرير عصافيرها سهلا على نفسها. كانت تفتح لهما القفص وكأنها أم تودع ابنها المهاجر وتقنع نفسها أن تحملها ألم فراقه ثمن قليل من أجل سعادته ومستقبله. أخذت تراقب طيرانهما فى السماء وكل ذرة فيها تكاد أن تهتف لهما بأن يرجعا مرة آخرى وعندما أختفا فى الأفق تهاوت على مقعدها باكية. تصارعت الهواجس بداخلها من أن يلحق بهما مكروه: ماذا لو لم يعرفا كيفية تدبر حالهما؟ ماذا لو شربا مياه ملوثة؟ ماذا لو اقتنصهما بعض القتلة الذين يتدربون على ضرب الرصاص بازهاق أرواح الطيور؟ ماذا لو؟ ماذا لو؟ أتراها أذنب فى حقهما عندما أخرجتهما من القفص؟ لقد كانا يعيشان فى أمان تحت عينها ورعايتها؟ أما الآن فلا أحد يدرى ما الذى سيحدث لهما؟ اجتمعت عليها فى لحظة واحدة آلام الفراق مع الخوف عليهما مع الشعور بالذنب ، لحظة كانت أكبر من أن تحتملها روحها الرقيقة فسقطت.

فى المستشفى لم يصدق أحد أن يصاب مريض بأزمة قلبية بسبب حزنه على فراق عصافيره، ربما لو تمت سرقة سيارته أو تحويشة عمره لاتمسوا له العذر. ولكن فى عالم لا يعمل أصلا حساب للبشر ويراهم مجموعة أرقام وأهداف، لا يستطيع الكثيرون أن يفهموا حالتها ولا وجع قلبها على عصفورين؟

وفى غيوببتها رأت نفسها فى أبهى صورة لها فى حديقة غناء تحلق فيها طيور لم تر مثيلا لها ويجلس معها المرأة البغي من بني إسرائيل التى سقت كلبًا فى خفها والرجل الذى نزل البئر ليسقى كلبًا وآخرون لا تعرفهم ولكن سيكون هناك متسع من الوقت ليحكوا لها عن قصصهم. وبينما كان الأطباء يحاولون انعاش قلبها، كانت روحها تصعد فى السماء تصحبها ملائكة الرحمة وعصفوران كناريا.

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s