جلست تشاهد بالصدفة برنامجًا  تليفزيونيًا تقوم فيه أحدى خبيرات التجميل باحضار فتاة متوسطة الجمال -بمعايير المجتمع -وتحويلها إلى موديل بكل ما تعنيه الكلمة من معان: ملابس، مكياج، صبغ الشعر، تبيض الأسنان، حتى اختيار الحذاء ذى الكعب العال…كل شىء تتكفل به.

كانت تجلس بين مجموعة فتيات وسيدات كلهن مبهورات بالناتج النهائى لتجربة التجميل، يتمنين أن تتاح لهن الفرصة ليخضعن لتجربة مشابهة ليكونن أجمل وأرقى وأحسن..يا بختها.

وحدها كانت تشعر بالاختناق من صور الفتاة بعد التغيير ليس فقط ﻷن صورها قبل التغيير كانت أكثر براءة ولكن ﻷنها كانت تكره الزيف، تكره المكياج والأظافر الصناعية والرموش الصناعية والعدسات الملونة وصبغة الشعر والكعوب العالية ومكواة الشعر والاستشوار والطرح الاسبناش والعطور النفاذة وتظبيط الحواجب وفساتين الفرح والسهرة المتكلفة..تكره كل هذا ﻷنه ببساطة زيف.

لا تنكر أنها أحيانًا ما كان يجرفها التيار وتجرب بعض هذه الأشياء ولكنها كانت لا تحب نفسها عندما تفعل هذا..كانت الفتيات يحافظن على شعرهن من الغسيل بعد الذهاب للكوافير لمدة أسبوع أو أكثر وهى تقوم بغسله فى اليوم التالى بعد أن تتجاهل كثيرًا وجهها فى المرأة وهى تظهر بشعر ليس لها ولم يخلقها الله به.

ولكن لسبب ما لا يتركها الناس فى حالها، هى لم تنكر على أي من صديقاتها ما تقمن به، بل أنها تساعدهن فى اختيار ملابس وعطور وأشياء تتناسب مع ذوقهن..فلماذا لا يفعلون معها المثل؟ لماذا يسخرون منها طوال الوقت ويوجهون اللوم لها بعبارات من قبيل “حد يلبس باليرنيا فى فرح؟” ” بتفكرني بابن عمتي” ، “البنت متبقاش بنت من غير ما تروح للكوافير”،”حواجبك عاملة زى الأطفال لازم تعمليهم عشان تكونى ليدى” “مش هتلاقى حد يتجوزك”، “بكرة تتغيرى بعد الجواز ما هو مفيش راجل يستحمل كده”

والعبارة الأخيرة تحديدًا هى أكثر ما يضايقها..وخاصة عندما يقولون لها أنها شرعًا لابد أن تتزين لزوجها كما يحب، فماذا عنها هى؟ ماذا عن شعورها أنها ليست نفسها؟ لماذا عليها أن تكون مزيفة حتى يعجب بها زوجها؟
يقولون لها أن الرجل يشاهد طوال الوقت فتيات متزينات بأبهى زينة، فى الشارع وفى العمل وفى التليفزيون..لابد أن تهتم زوجته بنفسها حتى تعفه، وهى لا تفهم لماذا عليها أن تدخل فى سباق مع كل هولاء على من تكون أكثر زيفًا؟

يتهمونها بالجنون أحيانًا وأنها غير طبيعية أحيانًا آخرى أو أنها مثالية، ولا يعرفون أن الأمر أكبر من الجمال المزيف فهى كذلك ترفض المسابقات التليفزيونية التافهة ولا تفهم لماذا يسعى البعض وراء مكسب مادى سريع؟ كيف يقبلون مالا مزيفًا لم يتعبوا فيه وتتساقط حبات عرقهم بحق كل مليم اكتسبوه؟

وكذلك قضية الغش، لم تغش فى أى امتحان من قبل ﻷنها ببساطة كانت لا تقبل أن تفرح بدرجة ليست لها وليذهب كل شىء إلى الجحيم…هذه هى ترفض الزيف حتى المطاعم والكافيهات الموجودة على البحر ترفضها وتفضل أن تجلس على شاطىء به أقل عدد من الأشياء الصناعية…وكلما جرفها التيار وكلما ازداد ضغط المجتمع وكلام الناس، كان عليها أن تجاهد لتستعيد توزان نفسها وترجع كما هى. حرة.

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. غير معروف كتب:

    رووووعه تسلم ايدك 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s