“بلاش بوس وأحضان بأه عشان عندى برد ومش عاوزة أعديك”
“يا ستى أنا عاوزة اتعدى منك بلاش كلام فارغ”

كندا:
“معلش أنا عندى برد شوية لكن ممكن برضه نخرج سوا”
“لا مش هينفع عشان أنا مش عاوزة اتعدى منك”

هذا التناقض ما بين الموقفين يبرز أشد أوجه الاختلاف بين مصر وكندا…ما بين بلد يقيم كل شىء بالعاطفة وبلد يقيم كل شىء بالعقل. لا يعنى هذا أن العلاقات فى كندا كلها جافة وباردة ولكنه يعنى أن معظم الناس تفكر فى مصلحتها الشخصية قبل أى شىء آخر وتحكم عقلها قبل مشاعرها. فمثلا صديقتى الكندية التى لم تخرج معى بسبب أن عندى برد، لا تريد أن تخاطر أن يصيبها البرد ﻷن هذا سيعطلها عدة أيام عن العمل فضلا عن آلام التى يخلفها البرد.. لماذا تضع نفسها فى موقف كهذا؟ لتتأجل الخروجة حتى يزول الخطر.
أما صديقتى المصرية فعاطفتها تريد أن تحضنى وبالنسبة لها الاصابة بالبرد لا تعنى شىء أمام هذه الرغبة، فالعاطفة تسبق العقل الذى يقوم بحساب المخاطر والمكاسب.

بالطبع لا أريد أن أضع نفسى فى فخ التعميم وأقول أن كل المصريين يتصرفون بالعاطفة وكل الكنديين بالعقل ولكن لنقل أن هذا هو الأغلب على طبع أهل البلدين. فما هو الأفضل؟

لا استطيع أن أقول أن هناك أفضل بشكل مطلق ﻷن أى شىء تراه جيدًا لابد أن تتأمل وجهه الآخر أو الثمن الذى تدفعه لتناله. فمثلا قد يقول أحدهم أن العواطف الجياشة للشعب المصرى أفضل ولكن فى المقابل ستجد أنه بسبب هذه العواطف يحشر الناس أنفسهم فى حياتك الشخصية أحيانًا بشكل مستفز وكذلك تزداد المشاحنات والخلافات ﻷنه من لا يفكر فى الحب لا يفكر فى الكره.
وإذا قال أحدهم أن التفكير المنطقى والعقلاتى للشعب الكندى أفضل فعليه أن يتأمل الوجه الآخر وهو أنه نادرًا ما يقدم لك احد الكنديين خدمة بدون مقابل (هذا إذا سمحت ظروفه أصلا)، عليه أن يتأمل الفجوة النفسية التى بين الناس لدرجة تجعلك تفكر مئة مرة قبل أن تطلب من غريب شىء حتى لو كان أن تساله عن مكان ما ﻷنه ببساطة قد يتركك ويمشى بدون أن يرد عليك، فما الذى يجعله يضيع وقته مع شخص لن يفيده فى شىء؟
فى مصر تشعر بنوع من الحميمة بين الناس، تجعل امرأة كبيرة فى السن لا تتردد أن تطلب من بنت تقف بجانبها على الرصيف أن تسند عليها لتعبر الطريق..هناك شىء يشعرك أنك جزء من هولاء الناس لو سقطت بينهم لن يتركوك. ولكن لأنهم عاطفيين فقد تكون مساعدتهم لك مضرة، فمثلا قد تكسر رجلك فى حادث فيحملك الناس باسلوب خاطىء يتسبب فى إعاقة مستديمة..فى كندا إذا سقط أحدهم فغالبًا سيقوم شخص بالاتصال بالاسعاف وقد يقف من بعيد ينتظر وصولها -إذا كان وقته يسمح- ولكنه عادة لن يقترب من شخص غريب مغمى عليه إلا إذا كان طبيبًا ويعرف ما يفعل.
ما الأفضل؟ فى بلد تصل الأسعاف فيه خلال 5 دقائق ربما يكون شيئًا مقبولا عدم تدخل الغرباء ولكن فى بلد تصل الإسعاف فيه بعد ساعتين على الأقل فهذا قد لا يكون مقبولا بالمرة.
لا أعلم لماذا دائمًا ما نفكر فى الأفضل؟ ولماذا يرسل لى الكثيرون ويسألوننى شخصيًا مصر أفضل أم كندا؟
لماذا لا تسأل نفسك هل الصومال أفضل أم مصر؟ ستقول لى مصر بالتأكيد..إذن فلماذا لا يهاجر كل الصوماليين إلى مصر ويتركون بلدهم البائسة؟
ﻷن هناك أشياء آخرى دائمًا تدفع الإنسان للبقاء غير جودة الطعام والشراب ونسبة التلوث ومعدل الحوادث إلى غيرها من الأرقام. هناك شىء غير الأرقام يربطك بالمكان، ربما كان هدفًا تريد تحقيقه، ربما كان أرتباطك العاطفى بالمكان، ربما كان أهلك.
لقد سألت نفسى سؤال بسيط نابع من تجربة البرد المذكورة، هل يوجد فى الحياة من على استعداد أن يتلقى رصاصة بدلا منى؟
وكانت الإجابة نعم والحمد لله هناك أكثر من شخص ولكن كلهم فى مصر ولا يوجد أى منهم فى كندا. نعم لدى أصحاب هناك يقدمون لى الكثير والكثير ولكن فى مصر وحدها يوجد من على استعداد أن يفديك بحياته ..فكيف أعيش عمرى كله بعيدًا عنه؟
لذلك عندما سألتنى صديقة مصرية تقيم فى كندا بعد 10 أيام من بدأ اجازتى هل اشتاق لكالجرى؟
قلت لها لم اشعر بذلك ولا للحظة..ثم أخذت أتذكر عدة مواقف حدثت فى مصر مثل:
روث الخيل فى شارع فيصل والذى كدت أن أدوس عليه، سائق التاكسى الذى كان يسوق بجنون جعلنى أغلق عينى وأدعو الله أن أصل بسلام، الجو الخانق الذى جعلنى أصاب بالهبوط بعد 5 دقائق فقط من المشى فى الشارع ونحن ما زلنا فى أبريل، تعاملات الناس التى فيها بعضًا من قلة الذوق، أشياء كثيرة رغم شعورى بالضيق منها إلا أننى لم أفكر لحظة أنى اشتاق لكالجرى المدينة الأولى فى العالم من حيث جودة الحياة.
وإذا كنت تسأل لماذا؟
فعليك قراءة المقال مرة آخرى لتكتشف أننى كمعظم المصريين تغلبنى عاطفتى وتسبق عقلى لذا فإن هذه اللحظات الثمينة مع أحبابى تفوق عندى أى حسابات للمنطق والعقل، هى أشياء لا تُشترى

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s