قمر على سمرقندقمر على سمرقند by محمد المنسي قنديل
My rating: 4 of 5 stars

تعتبر هذه الرواية من نوعية هذه الروايات الخلابة التى تجذبك لسحر المكان والزمان…ترسم الأمكنة فى بلاد ما وراء النهرين ببراعة شديدة تجعلك على وشك حزم حقائبك لتسافر إلى”سمرقند” وتستمع بكل هذا الجمال الذى أبدع الكاتب فى وصفه، شعرت بالمثل بعد قراءة “ثلاثية غرناطة” وودت لو سافرت لأسبانيا والبرتغال لأشم عبق التاريخ الأندلسى هناك، وتسلل إلي نفس الشعور مع رواية “واحة الغروب” وتمنيت لو سافرت لواحة سيوة ﻷتأمل جمالها كما وصفه “بهاء الدين طاهر”..فى “قمر على سمرقند”، تعشق سمرقند وتضمها إلى قائمة الأمكنة التى سافرت إليها دون سفر، سافرت إليها من خلال رواية.

أما سحر الزمان فيتجلى فى حكاوى التاريخ التى يسردها أبطال الرواية..ما بين الاسكندر الأكبر وتيمور لنك و تاريخ الغجر وجمال عبد الناصر وسيد قطب وانهيار الاتحاد السوفيتى ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وانقلاب الفنية العسكرية، حوادث متفرقة من التاريخ يتم سردها ضمن أحداث الرواية ليتمزج الماضى البعيد بالماضى القريب بالحاضر بسلاسة خلابة، لا تشعر معها بالممل ولا بالتشتت.

ولكن أسوأ ما فى الرواية فهو الاغراق فى التفاصيل فى علاقة الرجل بالمرأة الجسدية. ولكن طريقة الكتابة ليست مبتذلة كما فى بعض الروايات ولكنها أقرب للوصف الشعرى بنفس الطريقة الساحرة الذى يوصف بها الكاتب المكان والزمان. لا تبدو فيها إثارة للغرائز بقدر ما فيها من إثارة للمشاعر والفرق بين الاثنين شاسع كفرق السموات والأرض.

أما أشخاص الرواية فقد أبدع الكاتب فى رسمهم، لا توجد ملائكة وشياطين هنا. ولا تعرف فى بعض الأحيان هل تتعاطف معهم أم تنهال عليهم باللعنات؟ هم بشر فيهم كل المتناقضات الإنسانية..تغوص الرواية فى بحورهم لتكتشف أن ما تراه هو فقط 10% من جبل الجليد..ولكن بسبر أغوراهم تكتشف أن النفس البشرية أعقد من أن تنصف إلى أبيض وأسود…كيف تحكم على هذا الشاب “علي” الذى اختفت والدته من حياته وهو صغير ولا يعرف لها أى أثر وتحكم فى طفولته وشبابه أب عسكرى يحركه بالأوامر كما يحرك أى عسكرى عنده؟ ما الذى يجعل هذا الشاب يسافر إلى سمرقند بعد عشرات السنين ليقابل جنرال سوفيتى كان صديق لوالده لعله يجيب عن بعض أسئلته الحائرة بشأن غياب أمه ومقتل والده فى ظروف غامضة؟ ما الذى سيكسبه من إجابة هذه الأسئلة إذا عرف لها إجابة؟

أما “نور الدين” هذا السائق الذى ارتبط مصير “علي” به فتراه دبًا مبتذلا يكثر السباب ويمارس الفاحشة مع نساء الطريق ولكنه يتحول فى لحظات نورانية إلى مبشر وهادى للنفوس الحائرة وولى من أولياء الله الصالحين..رجل سيطر عليه السوفيت منذ حداثة سنه بسبب نزواته النسائية وأجبروه على كتابة تقارير عن زملائه فى المدرسة الاسلامية ثم عينوه فى المناصب حتى أصبح مفتى الديار ليكون رجلهم..ولكنه فى لحظة نورانية رفض التصديق على فتوى بإعدام التنظيم الذى يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، رفض أن يوقع على مرسوم قتل صديقه..فما كان منهم إلا أن نفوه وعزلوه من منصبه ليسير هائمًا فى بلاد الله..يحترف قيادة سيارة أجرة على الطريق ثم يذهب إلى “بخارة” مسقط الإمام البخارى ليتحول إلى ولي من أولياء الله الذى يسعى الناس إلى طلب الدعاء منهم.

هل “طيف” الفتاة التى ارتبط بها “علي” ووجدها “نور الله” فى فراشه هى ابنة “نور الله”؟ لا تجيبك الرواية بشكل مباشر ولكن ربما تستنتج هذا الأمر من رواية “طيف” عن قصة فسخ خطبتها بعد أن غضبت السلطات على أبيها ذى المنصب الكبير..ربما كانت ابنته أو لم تكن ولكن على أية حال هى شخصية آخرى من شخصيات الرواية المحيرة التى لا يمكن اختزال الكلام عنها فى صفحة. وماذا عن “فايزة التهامى”؟ هذه الرسامة المجنونة والتى تم وضع قصتها فى سياق الرواية على أنها من معارف “علي” الذين يسرد قصتهم على السائق..”فايزة” التى تشاركت مع “علي” فى التربية العسكرية الصارمة ولكنها زادت عليه اغتصاب أبيها لها وهى ذات ثلاثة عشر عامًا تحت تأثير الخمر وانتهت حياتها فى مستشفى للأمراض النفسية. هل تكفى أحداث حياتها البائسة لتغفر لها مجونها وجنونها؟ حتى المرأة اليهودية التى أغوت “نور الله” فى حداثة سنه، هذه تم إجبارها على الزواج من عجوز يهودى بالكاد يرى فانتقمت من المجتمع اليهودى بممارسة الجنس مع غير اليهود وهو شىء لا يغتفر فى الناموس اليهودى. وهكذا كل شخصيات الرواية، هناك مبرر أو أكثر لكل أخطائها وسقطاتها، ليسوا منافقين ولكن كما قال “نور الله” هناك شخصان بداخلى..”نور الله” الأول الذى ينتشى بالقرآن والصلاة ويقبل على العلم و”نور الله” الثانى الباحث عن الغرائز والغارق فى الملذات. أليس كلنا كذلك؟ لمحة من نور ولمحة من نار.

ولكن هناك شىء فى هذه الرواية يبدو وكأنها منقسمة قسمين: القسم الأول أكثره عن “نور الله” وشخصيات سمرقند وبلاد ما وراء النهرين، والقسم الثانى: يحكى فيه “علي” قصته وتتداخل معه قصص آخرى من القاهرة. يبدو القسم الأول ساحرًا برغم الآلآم التى تعج به. أما القسم الثانى فيبدو جافًا بلا روح، كأنك انتقلت لرواية آخرى. ربما لو تمت طباعة الجزء الثانة بمفرده لما استحق سوى علامة إعجاب واحدة ..ﻷنه شديد القسوة والجفاف، يبدو بلا مشاعر..وكأنك انتقلت لعالم آخر حتى ذكريات “علي” الجيدة عن جده وختامه للبخاري فى شهر رمضان كلها تقبع فى الجزء الأول. أما الجزء الثانى فيطل عليك كصحراء قاحلة بعد أن سرت فى واحة غناء.

View all my reviews

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s